سوسيولوجيا العالم القروي

فريق التحرير
هشام الطاهري
ما يعتمل في رحاب البادية المرنيسية, وما يثار بصددها من آراء ومواقف تنأى عن الطرح العلمي وتقترب أكثر من الديماغوجية والانتخابوية، كل هذا يجعل الحاجة إلى علم الاجتماع القروي ملحة جدا، خصوصا وأن الانشغال السوسيولوجي بالمجتمع القروي من شأنه أن يساهم في خدمة المشروع النضالي للسوسيولوجيا الحقة “فالعلاقات السلطوية ما زالت سائدة في مرنيسة، مع ما يطبعها من إكراه ومحسوبية وتطاول على الحقوق” وهنا يحق لنا أن نتساءل بصوت عال: ما الذي نريده من السوسيولوجيا عموما؟ وما الذي نتغياه من علم الاجتماع القروي حصريا؟ وإلى أي حد يمكن أن تسعفنا السوسيولوجيا في تجاوز إشكالات البادية المرنيسية؟
استطاع المخزن بفضل مراهنته على الأجهزة القمعية أن يجعل الفلاح المرنيسي خادما طيعا له، يأتمر بأوامره وينتهي بنواهيه، واستطاع أيضا بالقوة والفعالية أن يساهم في خلق تمثلات خاصة في المجتمع القروي تحدد طبيعة المخزن وعلاقاته وتعامله مع السكان في ضوء المعطيات والمتغيرات، فمرنيسة ما زالت تعتبر حقلا أثيرا للتجارب المخزنية “ومن خلال معرفتنا مثلا للدوار وعلاقته بالسلطة، يمكن أن نعرف الواقع السياسي بالبادية المرنيسية بشكل عام، فعلى مستوى الدوار يتم تصريف أي قرار كيفما كان شأنه ومصدره، ويتم تجريب أي أسلوب مخزني كيفما كان اتجاهه وهدفه!!.
وهكذا فحتى في حالة الطغيان وتنامي ظواهر القمع المخزني، فإن العالم القروي يمثل مشهد جمود، وهذا ما يدعم طرح “واتربوري” الذي يقول بأنه بالرغم من إدخال وتطوير علاقات اجتماعية اقتصادية جديدة، يبقى الجمود هو السمة الأساسية للمجتمع المغربي، فالبرغم من إنشاء المحاكم الإدارية وارتفاع حرارة الحديث عن حقوق الإنسان، فالفلاح المرنيسي لا يجرؤ على مقاضاة المخزن ومواجهته، ويكتفي عندما يمسه الضرر بعبارة ‘’يدعيه لله’’.
ذلك “أنه أمام جمادية مرنيسة وتفقيرها، لا يظهر بعد أن الفلاحين قادرون على ردات فعل تتجاوز مخارج الزوايا والتصويت العامي” ومنه يمكن القول بأن المخزن يتمكن فعلا من هزم المجتمع القروي واحتوائه جيدا معتمدا على أسلحته الإيديولوجية والقمعية التي تقوده في النهاية إلى حقيقة مرة مفادها أن مرنيسة في خدمة المخزن، فمن خلال تكسير البنيات القبلية وإنتاج تقسيمات إدارية وتقطيعات انتخابية بهواجس أمنية، ومن خلال خنق الحراك والتحول داخل هذه البلاد الجريحة، يتمكن المخزن من تجذير مكانته وتكريس الأوضاع لصالحه! “فمرنيسة تشكل في النهاية مجرد خزان للثروات وسوق استهلاكية وخارطة انتخابية، ولمواصلة استغلالها لابد من الحفاظ على تهميشها هي أولا وإنسانها المتعطش للتنمية والرقي ثانيا على مختلف الأصعدة” .
• مرنيسة الجريحة تائهة إذن بن الموقف السياسي والطرح السوسيولوجي المهمش، وفي انتظار الحسم/البديل، للقطع مع التنمية المعطوبة، نتذكر الراحل بول باسكون، نتذكر أبحاثه حول الظاهرة التقليدية، المسألة الزراعية، نظام الري، المسألة العقارية، وما إلى ذلك من القضايا المعبرة بقوة عن مأساة العالم القروي، نتذكره أيضا وهو يقول “بأن مجرد حضور السوسيولوجي في الميدان يغير الوضع الراهن ويقلق شيوخ القبيلة، ويداعب آذان المسودين، وإذا أراد فحسب أن يفهم عمل القوى الاجتماعية، فإن عليه أن يساعد بالضبط على ولادة تعبير أولئك الذين يرغمهم ميزان القوى المحلي عادة على الهمس إن لم يكن الصمت”. ولهذا نقول بأننا مدعوون إلى استئناف الاجتهادات الباسكونية، ومطالبون بالإنصات إلى الرأي السوسيولوجي في معالجة الجراح القروية، فالسوسيولوجيا كما يقول تورين، لم تعد سجينة الحفاظ على النظام وكبح جماح النضال، لقد تحولت إلى سلاح ضد القمع والاستغلال، فمتى نجعلها هنا والآن تناضل من أجل الفلاح المرنيسي الذي أثخنته جراح التنمية المعطوبة!!
هشام الطاهري الإجازة في علم الإجتماع سنة 2010

تعليقات