المسؤولية وسؤال التفقد

عبد الله عزوزي

عبد الله عزوزي

لاشك أن قواعد القيادة توصي بإعطاء مفاتيح المهمات الصعبة، و الأكثر استدعاءً لثقافة التحدي، لأولئك الذين عندهم إحساس فطري بتقدير المسؤولية و استحضار المآلات حتى قبل أن تلوح في الأفق البعيد.
أما تاريخنا العربي فيروي قصصا عن كيف تدخلت عوامل أخرى في إسناد المسؤولية و تقليدها للغير؛عوامل غالبا ما تكون ضاربة في عمق مصداقية المسؤولية و متطلباتها .. لكن في مقابل هذا تُسَجلُ بعض الكتب التراثية و الأدبية مواقفَ جِدُّ مُشَرِّفة لقادة و مسؤولين و هم بصدد البرهنة على قمة الإحساس بالمسؤولية. أبرز تلك المشاهد ما ترويه سيرة الفاروق عمر بن الخطاب الذي خرج ذات يوم حتى رآى من بعيد نارا مُوقدة، فسار إليها ليتقصى عن شأنها … و عندما وصل إليها وجد سيدة تجلس أمام النار و عليها قدر كبير — اتضح للخليفة فيما بعد أنه كان به ماءٌ فقط — و حوْلها أطفالها اليتامى وهي تنتظر أن يسطو عليهم النوم لأنها لم تجد ما تطعمهم…
في وقتنا الراهن، و رغم الكثافة السكانية و طابع العصرنة و ما رافقهما من كثرة التحديات و الأوراش المفتوحة… نجد أن المسؤولين لا يبرحون كراسيهم، و إذا تحركوا لا يتحركون إلا في مناسبات سنوية تتسم بالإحتفالية و التخليد، الأمر الذي يجعلها تغطي عن الواقع الحقيقي و الخفي لما هو قائم و ساري المفعول على الأرض .
فباستثناء التحركات الملكية ، التي تُحيلنا على شيم القيادة و استحضار جسامة المسؤولية، وهي تحركات مُتَّسِمةٌ بروح المبادرة و التفقد، زيارات غطت جميع ربوع المملكة، بل شملت حتى القارات الخمس، كان آخرها رحلة جلالة الملك إلى روسيا و الصين الشعبية، و هو أمرٌ مكلفٌ زمانيا و صحيا، خصوصا إذا استحضرنا الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه و سلم “السفر قطعة من نار”، فإن باقي المسؤولين مجاليا (محليا / إقليميا / جهويا / وطنيا ) لا يبرحون مكاتبهم و يمضون حياتهم الإنتدابية يوقعون و ثائق إدارية أو يرأسون اجتماعات داخل مقرات عملهم، و إذا ما تحركوا بعيدا فإن ذلك لن يتجاوز مئات الأمتار و غالبا في مهمة لا علاقة لها بمهماتهم الأصلية التي “تقلدوا مسؤوليتها”، كحضور حفلِ تكريمٍ أو عرضٍ مسرحي أو نشاط حزبي لهيئة صديقة…
ماذا لو ترجل مسؤولونا الإقليميون بتاونات خارج مكاتبهم و أوغلوا سيرا نزولا و صعودا في هضاب تاونات ووراء جبالها، وطالبوا بجولات على ظهور دواب الإقليم، و على متن زوارق سدوده و بحيراته؟ ماذا لو قالوا دعونا نرى عن أي مآثر تاريخية يتحدث التاوناتيون؟ ماذا و وقفوا بأبواب مدارس الإقليم و مستوصفاته؟ ماذا لو أخذوا تحدي ولوج الأسواق الأسبوعية فجرا و ظهراً و بعد موعد حلول شعار “مول المليح باع أ راح”….؟
ماذا لو تعمدوا ترك نظاراتهم السوداء فوق مكاتبهم الرائعة و انطلقوا مسرعين سعيا و راء اكتشاف أدواء “إقليم المدينة”؟ ماذا لو تقمصوا دور عمر بن الخطاب و ولجوا المداشر و القرى و وقفوا على المشاريع الملكية و الحكومية و “فلسفة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية” و أوجه تبذير المال العام في مشاريع تنطلق و تأبى إلا أن لا تكتمل؟ ماذا لو قاموا بإطلالة على أوضاع الغابات و منابع المياه ومشاريع ربط القرى بالماء الشروب و الترامي على الملك العمومي؟ ماذا لو تفقدوا أحوال الطفولة بالمداشر وأحوال ” ولاد الدوار” بنفس المداشر و الدواوير؟ ….
لا نريد أن نجعل من هذا التحدي شاقا و عصيا، لو أردنا ذلك لطالبنا بأن يكون في عز فصل الصيف و حرارة أغسطس، أو فيضانات و برد كانون الأول و الثاني، لكن نحن فقط نريد أن نُلْفِت الإنتباه إلى كون مستقبل تاونات ،بكافة أحيائه البشرية و الحيوانية، يتشكل خارج “الأربعين // الكارونط ديالها” حيث يمكن تصوير الواقع كمعمل يُطحَنُ فيه الناس دون أن تُنْتَزَعَ منهم أرواحهم في كثير من الأحيان..
فللَّذين يطمحون في إنقاذ إقليم تاونات، عليهم أن يرجعوا رجعا جميلة لفضيلة “التَّفَقُّد”؛ فهي الكفيلة بإحداث الفارق، و بتكذيب أنباء الكتب و التقارير. فبدون اعتماد تقنية “التفقد المقرونة بربط المسؤولية بالمحاسبة” التي يجب تبنيها من طرف القادة المحليين، لا يمكن الحديث عن قدرة هؤلاء على وضع تصور للاصلاح يكون بمثابة خارطة طريق للتنمية الإقليمي، أو جدارة هؤلاء و أولئك بأن يكون قادةً و محدثين للتغيير الذي سيدخلهم ذاكرة التاريخ.