المجتمع المعاصر و تناقضاته…

مراد العلالي

مراد العلالي
ان تتعدد أشكال الحياة واختلاف العلاقات القائمة بين الناس، أصبحت تستدعي الدراسة و إعادة الفهم الصحيح من جديد، فبعدما كانت العلاقة بين الناس عنوانها الروح الإنسانية التي تسري في روح هذا الكائن الطموح إلى الخير و نبذ الشر، و التفكير في صناعة نموذج جديد للحياة كلما دعت الضرورة إلى ذلك،و كلما كان في حاجة إلى إعادة الصياغة من البداية لبناء صرح أخلاقي تكون أسسه مبنية على دعائم قوية نابعة من جذور الروح الإنسانية، و من الضمير الأخلاقي الذي يحرك كل كائن بشري و يجعل منه ميال للخير الذي يأخذ الصدارة داخل سلم القيم الإنسانية، أصبحت تأخذ طريقا أخر يستعصى فهمه .و بما أن العلاقات الإنسانية هي نموذج من نماذج الخبرة اليومية، نموذج من نماذج الحياة السوية التي لا يمكن المضي قدما دون الانطلاق منها و اتخاذها كبادرة في مسار الحياة التي تتطلب منا هذا النوع من الممارسات الاجتماعية، التي تعد العلاقة بين الأفراد جزءا منها إذ لا يمكن أن نبني مجتمع دون  أن نكرس لعلاقات تجمع أبناء المجتمع و تجعل منهم وحدة واحدة داخل سلسلة العلاقات الإنسانية،و التي يكون بناءها صلب و ذو أساس قائم من داخل الخبرة اليومية.

لكن إذا اتجهنا في الاتجاه المخالف و اعتبرنا العلاقات القائمة هي علاقات مبنية على التنافر و الابتعاد، و هذا ما يسري في الحقيقة في واقعنا المعاش الذي أصبحت فيه علاقات المحبة و التآزر و التعاون شبه منعدمة، و ذلك راجع لمجموعة من الأسباب القريبة منها و البعيدة، خصوصا بعد سيطرة الطابع المادي على الواقع بأسره،و جعل من الإنسان خادما مطيعا له،يميل أينما كانت رائحة المادة و اللذة و تحقيق الرغبات مهما كانت الوسائل و في جهل تام للنتائج المترتبة عن ذلك. و تعتبر هذه السيطرة المادية التي أدت إلى انهيار المنظومة القيمية و تكسير و هدم العديد من العلاقات الإنسانية بما فيها الأسرية التي أصبحت تأفف الناس فيما بينهم، حيث نجد الطابع المادي يكسح و يهاجم جميع الأبواب،الأمر الذي جعل من بنية المجتمع بنية هشة بدأت في الانهيار؛ و من معالمها انقلاب المفاهيم و القيم، فما كان يعتبر  شرا أصبح خيرا،و ما كان يعتبر خيانة أصبح إخلاصا،و ما كان قبيحا أصبح جميلا،و ما كان عيبا أصبح مقبولا، و ما كان كذبا أصبح صدقا يتظاهر به البعض على البعض الأخر.

آه.. ثم آه.. على زماننا هذا الذي لم تعد فيه الحشمة سلوكا بين الناس و ممارسة أخلاقية داخل بيت الأسرة و غيره من البيوت، و ليس هذا وفقط و إنما هناك أمور أصبح اللسان يخجل من النطق بها، لان مكانها لم يعد موجودا وزمانها لم يعد زمانها،فكل شيء تغير تحت ضغط و شراسة هذا الواقع.

         فالدراسة التحليلية و النقدية تستدعي الإحاطة بشتى صور هذا التغير بداية من البنية الصغرى التي تجسد الحجرة الأولى للمجتمع وصولا إلى البنية الرئيسية أو المنظومة الرئيسية التي يتشكل منها هذا المجتمع باعتباره بنية معقدة يستعصى تفكيكها و تحليلها إلى بنيات متعددة،و كما هو معلوم فالمجتمع يتكون من أفراد و هؤلاء يشكلون جماعات تجمعهم مجموعة من العادات و التقاليد و الممارسات الأخرى التي تجعلهم بمثابة لحمة واحدة، لكن هذا لا يبعد من وجود التنافر و الابتعاد داخل هذه التجمعات البشرية.

           فالواقع المعاصر واقع مصطنع بلغة جون بودريار الذي يشوه الواقع ويمزق مبادئه ، حيث أصبح يمثل نسخة مشوهة شابها الخداع و التظليل و التزييف و لم يعد الواقع الراهن على ما كان عليه،بل أخذ مسارا أخر يتماها في التشويه للحقائق التي يؤمن بها مجتمع ما أو دولة ما أو دين ما…  ألخ.

و بالتالي وجب طرح السؤال هل الأزمة التي يعيشها المجتمع. هل هي أزمة اجتماعية أم إنسانية أم أزمة  أخلاقية أم هي أزمة  إقتصادية..؟

قد يصح القول بأن مجتمعنا يعيش الأزمة على جميع الأصعدة و هذا يتجلى في الحياة اليومية التي لا تعرف الفتور في خلقها لممارسات غريبة يتخبط فيها الكائن الحي الذي أصبح كائنا مهجنا سلبت منه الهوية و لبس لباسا يخالف طبيعته.فالأزمة المجتمعية التي نحياها تتجلى في مجموعة من المجالات، و لعل ما نطلق عليه اليوم بالانقلاب الأخلاقي و هناك من يسميه بالانحلال الأخلاقي و الذي يعني خروج الشيء إلى نقيضه.و لتبيان الأزمة في المجتمع سنقف عند مثال يوضح كيف تبدأ الأزمة في المجتمع، فمن المعلوم أننا عندما نتحدث عن المجتمع فنحن نتحدث عن وجود علاقات اجتماعية بين الأفراد، و كل واحد من هؤلاء يقوم بمهمة أو بدور خاص به، و إذا تم الإخلال بهذا الدور و لم يلتزم أي فرد بدوره تحدث الأزمة و هذا ما نلمسه بشكل دقيق في مجال التعليم الذي يمكن القول بأنه أصبح في خبر كان،و هذا ناتج بالدرجة الأولى عن اختلال الأدوار.

كما أن هناك عاملا أخر عمل على الإسهام في هذه الأزمة و هو انتشار التقنية في الحياة اليومية،و التي كانت سببا رئيسيا في خلق التناقضات في الفرد الواحد، إذ يمكن أن نجد رجلا متطرفا يعمل بمنطق التحريم،أي يحرم كل الأشياء التي تأتي من الآخر (الغرب)و لكنه في الوقت ذاته تجده يمتلك أخر المنتجات الإلكترونية من هواتف و حواسب و غيرها. و ما يمكننا قوله هنا سوى أنه يعيش التناقض الأخلاقي و التقنية هي التي فرضت عليه ذلك، بل يمكن القول بأنها تحولت إلى وجود بلغة هايدغر.

         و خلاصة القول هو أن المجتمع يحتاج إلى إعادة البناء بعد هذا التغير الدينامكي الذي يعيشه المجتمع المعاصر، و ذلك راجع إلى هذه السلسلة القائمة بالفعل داخل المنظومة الاجتماعية.و هكذا يعد هذا التصور بمثابة حقيقة معاشة لا يمكن الابتعاد عنها بقدر ما أنها تمتلكنا و نمتلكها في الحين ذاته.فهل من بديل حقيقي لإعادة بناء هذا المجتمع؟  

.