الحذاء الذهبي

عبد اللطيف بنزينب

يكتب التاريخ دائماً بالأيدي والأقلام، ولكنه هذه المرة وفي هذه الجزئية بالذات كُتب بالأصوات و الأقدام التي أبت إلا أن تسطر على ناصية التاريخ مراحل نضالية لا تنمحي، إنها المرأة المغربية القروية الحرة التي أبهرت الجميع بعملها النضالي وتحليها بالصبر والشجاعة التي يفتقد إليه جل من يصنف ضمن الذكور.
انطلقت من منطقة انركي بمدينة ازيلال ضمن مسيرة بطولية خاضتها ساكنة المنطقة تقدر ب 100 كلم مشيا على الأقدام، والتي انطلقت يوم الخميس الماضي من أعالي جبال المنطقة المذكورة متجهين إلى ولاية بني ملال من أجل المطالبة ببناء ٱعدادية التي تفتقرها الساكنة لاستكمال أبناءهم الدراسة، وإحتجاجا على التماطل و التهميش الذي يمارسه المخزن في حقهم، خصوصا أن منطقتهم تفتقر ككل مناطق المغرب المنسي لأذنى شروط العيش الكريم، خاصة في ضل موجة البرد القارس، وتساقط الثلوج و إنقطاع الطرقات.
فعلاً هي إمرأة تنضاف إلى أرصدة النساء الأحرار عاشقات الحرية والكرامة بجنون، مهما كانت المخاطر أو بلغ التهديد ذروته فلن يهابنه ولن يتراجعن إلى الوراء، فقد عقدن العزم بلا تردد أو استسلام على المضي بخطاهن الواثقة قدماً صوب مستقبل أفضل.
خطوات نضالية وليدة أفكار خرجت من رحم عقول فئة مهمشة ومقصية تاقت للانعتاق من غسق المعاناة إلى أفاق حياة رحبة، فخرجن أفواجاً في مسيرة بطولية ستدون على جبيبن تاريخ المنطقة بأحرف من ذهب، وستظل وصمة عار على جبين المسؤولين.
بعض المتتبعين أصيبوا بالدهشة، هل بمقدور أطفال ونساء القرن الواحد والعشرين السير على الأقدام مسافة 100كيلومتر ، لكن تلك الدهشة سرعان ما تلاشت لما لمسوه في المشاركين من عزم وقوة وتحد وصبر ، لأن ما يعانونه بمنطقتهم أدنى وأمر ، وأنهم لن يركبوا أي وسيلة مواصلات، وإنما مشياً على الأقدام في تحد أظهر ما يتمتعون به هؤلاء من عزيمة وإرادة قوية
المسيرة تحمل دلالات كثيرة وعميقة،أبرزها توجيه رسالة إلى العالم مفادها أن المرأة المغربية الحرة بطبعها مناضلة شريفة عفيفة وليس كما تضنون أيها الجبناء، وكذا توجيه رسالة للمسؤولين المغاربة وكبار الدولة أن المرأة المغربية القروية لا تهان أيها المخزن الجبان، وأيضا توجيه رسالة لكبار الدولة المغربية أن العالم القروي يعاني ويتخبط في مشاكل عميقة أفرزتها سياستكم الفاشلة، وعدم حرصكم مراقبتكم للإختلاسات التي تقع هناك، وغضكم الطرف عن الفاسدين والمفسدين، فكلكم في الجريمة مساهمون.
كم أنها جاءت لتؤكد أن المرأة والأطفال غاضبون من سياستكم الفاسدة التي تخدم مصالحكم فقط، وأنهم قادمون للتعبير عن أهدافهم ومطالبهم وبالذات في هذه الفترة الحاسمة للتغيير. وتوجيه رسالة لكبار المسؤولين أنه بلغ السيل الزبى، وأنه لم يعد يرهب المواطن القروي شيئا في الإحتجاج والمواطلبة بحقوقه المشروعة، و رسالة للمسؤولين بوقف نزيف هدر المال العام في اللهو والعبث ومهرجانات الفسق والعار والميوعة وإعطاء الأولوية للتعليم الذي هو نور الحياة والقاعدة الأساسية لبناء أجيال المستقبل.
إنها مسيرة بطولية بكل المقاييس شاركت فيها أقدام صلبة لن تضعفها جبال المنطقة الشامخة ولا التضاريس الوعرة ولا الأجواء المناخية الباردة والممطرة ، هي أقدام لبست أحذية ذهبية وجب وضعها في المزاد العلني بعد أن ارتفعت قيمتها إلى مليارات الدراهم بعد أن تخطت كل الحواجز وانتفضت في وجه الفساد والتهميش والإقصاء ورفعت التحدي رغم صعوبة التضاريس ورداءة الأحوال الجوية، مسيرة إندملت فيها الأقدام لكنها لم تندمل القوة والعزيمة والصبر.

* الصورة لمشاركة في المسيرة والتي تشققت قدمها من جراء المشي