المرأة بين العنوسة والتاريخ… صومعة البنات بالقصر الكبير المغرب

فريق التحرير

 سعاد مصباحي

  عدما تطرح سؤال عن تاريخ هذه الصومعة اليتيمة القابعة على آثار الغابرين يكون الجواب الأول صومعة العوانسصومعة شيدت للنساء والطواف بها كي يعجّل لهم الجن في الزواج وممارسة طقوس الحياة من جنس وإنجاب والأهم الهروب من تلك النعوت المقرفة وهي العنوسة… هكذا تكون الإيجابات وخاصة من الذكورإيجابات تدعو للريبة عندما يفكر شبابنا بمثل هذه الطريقة البسيطة، وهذا الشاب لا يعرف تاريخه ولا آثاره فقط، واكتفى بالخرافات وما تلقنه على شرفات المقاهي… فترانا نقف كنساء بين الأسطورة والحقيقة، بين العنوسة والدراسة، بين البحث لإسكات الأفواه وتعليم البعض من الجهلة….

   إن مدينة القصر الكبيرتعرضت لعقود طويلة لكل أنواع التهميش والنسيان والهجوم الشرس على بعض معالم العمران الأثرية التي تم هدمها وتحويلها لعقارات وبنايات وعمارات وغيرها، مما يحتم تضافر الجهود من طرف جميع المتدخلين لإنقاذ ما تبقى من بعض معالم العمران الأثرية، كما هو الشأن بالنسبة للعمارات الدينية كبعض المساجد القديمة و الزوايا والأضرحة والبنايات الكولونيالية والعربية المورسكية والفنادق القديمة. مما جعل تاريخها يندثر والمفاهيم تتحول وتتلاشى.

   فصومعة البنات التي تطل على نهر اللكوسأو التنين المرمريحسب أسطورة هسبريس. توجد وحيدة بعد اختفاء مسجدها لأسباب تعددت المصادر التاريخية في سرد تفاصيلها، تزورها البنات ظهيرة يوم الجمعة بين الآذان الأول، والآذان الثاني للممارسة طقوسخرافيةتتجلى في الطواف حول الصومعة، وترك بعض قطع الملابس الداخلية بالمكان نفسه. إلا أنه وكحقيقة تاريخية فإن قصر البنات يعود لفاطمة الأندلسية هي عمة المحدث الكبير الإمام الحافظ مولاي الحسن علي بن غالب الشلبي دفين مدينة القصر الكبير.

  ولكن الحقيقة عكس ذلك، فصومعة البنات شيدت لتدريس الفتيات وتعلم المذهب الصوفي على يد الولية الصالحة فاطمة الأندلسية التي ولدت بمدينة شلب، وانتقلت مع صوفية الأندلس إلى المغرب، استقرت أولا بفاس ثم انتقلت إلى القصر الكبير حيث توفيت رحمها الله.
   تعد هذه الولية الصالحة مثالا للنساء الصوفيات في المغرب والأندلس، فقد جمعت بين العلم والزهد والورع، كما أن التادلي ابن الزيات ذكرها في كتابه التصوف، وقد زارها أكابر العلماء والعارفين بالله وأثنوا عليها، منهم العلامة الإمام  عبد الله محمد بن يعلى التاودي دفين مدينة فاس.
   أخذت العلم على يد الشيخ الصالح أبي عبد الله التودي دفين باب الجيسة بفاس، وتوفيت بالقصر الكبير ودفنت بباب الواد، وعلى ضريحها قبة ذات نقوش فنية سائرة نحو الزوال والتلاشي، والجدير بالذكر أن السيدة للا فاطمة الأندلسية جعلت صومعة البنات مدرسة لتعليم البنات فيها.
ذكر السيد نخشى في كتابه ‘القصر الكبير’ ما ملخصه أن الضريح الصغير للا فاطمة الأندلسية هو أثمن عمل فني في المدينة كلها، وذلك فيما يرجع لزخرفته، وهو يحتوي على بناء وقبة جميلة قوية وأصيلة تعبر عن هوية القصر الكبير ذات الطابع الفني لشمال المغرب.
   ومن المؤكد أنه بني فوق آثار رومانية اندثرت إثر إنشاء هذا الضريح على شكل بلاط روماني. والقبة تحتوي على زخرفة رقيقة مرهفة وتمتاز بتشابه مع المساجد العظمى بتازة وفاس، فالأول له طابع موحدي مريني، والثاني له طابع مريني.
   ومسالك البناية مربعة على شكل مثمن، جميلة للغاية تذكرنا بالأندلس وتشبه زخارف قصر الباردو بتونس، والبناية يمكن تحديد بنائها في القرن الخامس عشر أو عند بداية القرن السادس عشر، وقد تعرضت لترميمات من المحتمل أن يكون أحدها في زمن البطيوي.

صورة القصر الكبير