ceci n’est pas une caricature

فريق التحرير

سعاد مصباحي

من مقتضيات النظر في ما هو إنساني، بالعودة إلى الأصول الثقافية التي أفرزتها إبداعات الإنسان المتطورة عبر التاريخ، مما يدعو إلى التفكير في صلة هذه الإبداعات ببعضها ومدى استمرار حضورها أو بداية أفولها. تنشأ ثقافة ما في لحظة ما، حيث تستيقظ روح نبيلة فتنفصل عن الحالة النفسية البدائية للطفولة الإنسانية الأبدية، إنها شكل ينبثق من اللاشكل، نهاية وتهافت يخرجان من اللانهاية والديمومة، وهي تنمو على أرض مشهد قابل للتحديد الدقيق، حيث تبقى مشدودة انشداد النبتة. وإن ثقافة ما تموت عندما تكون الروح قد حققت مجموع إمكاناتها كاملة في شعوب ولغات ومذاهب دينية وفنون ودول وعلوم، فتعود بذلك الحالة النفسية الأولى.

ولكن كيانها الحي وتعاقب العصور الكبرى الذي يطبع بكل وضوح ودقة اكتمالها المتدرج، إنما هو صراع حميم ومتحمس من أجل غزو الفكرة للقوى الخارجية والغريزة الداخلية، حيث احتمت هذه القوى بضغينتها.

 ليس الفنان وحده من يقف ضدّ ممانعة المادة وضدّ تحطيم الفكرة داخله، فكل ثقافة توجد ضمن علاقة رمزية عميقة وشبه صوفية مع المادة الممتدة ومع الفضاء الذي تريد أن تحقق فيه وبه. وعندما تبلغ الهدف وتكتمل الفكرة داخله وتتحقق جملة من الاحتمالات الداخلية، تتحجّر الثقافة فجأة وتموت ويسيل دمها وتخور قواها فتصير حضارة، وهذا ما نحسه ونفهمه عندما نمعن النظر في هذا الرسم الكاريكاتيري لصاحبه lindinay.

صورة تغني عن الكلام، ففي هذا الرسم إحالة عن عمل الرسام “روني مجريت”، بعنوان  “هذا ليس غليونا” الذي قام به سنة 1929، في هذا الرسم دعا الفنان إلى طرح إشكالية العلاقة بين ما هو مرئي وما هو مكتوب، أو بمعنى آخر النص-الصورة، من الإشكاليات الحاضرة باستمرار في تاريخ الفكر. وقد اتخذت أشكالا عديدة، وفقا للحقول المعرفية التي تمت مناقشتها من خلالها. ففي الابستومولوجيا طرحت هذه الإشكالية في سياقات عديدة، خاصة في الابستومولوجيا المعاصرة، وكان السؤال عن الكيفية التي تتم بها عملية المعرفة واكتساب الوعي هو منطلقها: أيهما يمتلك الأولوية والسيادة على الوعي.. اللغة أم المرئي؟ هل التفكير يتم بواسطة اللغة؟ أي هل العقل يترجم كل ما يراه إلى لغة؟ ومن دون هذه العملية تفقد الأشياء دلالتها، أم أن المرئي له لغته الخاصة، التي تتجاوز وتعلو على أي صياغة لغوية حتى ولو تمت؟ هل اللغة تستوعب ما هو مرئي، بحيث تنوب عنه في غيابه؟ أم أنها مجرد قوالب وصياغات تحفز الذهن على استحضار الصورة والمشهد، خاصة مع الوضع في الاعتبار، الأسبقية الأونطولوجية للمرئي، وأن التفكير يتم بالصورة أولاً قبل أن يتم باللغة؟

 ومن هنا كانت انطلاقة الرسام الفرنسي “لاندينجاي” الذي حافظ على المعنى المفهومي ورسم صورة للعاهل المغربي وهو على ظهر حمار، بإعادة عبارة “هذا ليس برسم كاريكاتوري”، فإذا ما سألنا المشاهد هل فهم القصد أم لا؟ سيذهل للوهلة الأولى ويقول ما هذا إذا، إذا ما كان رسما كاريكاتيريا؟ وإذا طرح مثل هذا السؤال يحيلنا على قراءة ثانية للصورة وطرح الضمني للمفهوم: أيهما يمتلك الأولوية، الصورة أم الكلمة؟ المرئي أم اللغة؟

دعوة الرسام لمثل هذا الطرح لم تكن من سبيل السخرية فقط، ولكن من باب التنديدـ فركوب مثل ذلك الرجل الذي صوره كصاحب الجثة الضخمة على ظهر حيوان، يبرز لنا مفهوم الراعي وهو ظل الله في الأرض، والرعية وهي عبارة عن الحمار الذي لم يكن اختياره عبثي، ولكن هو رمز لسياسة القطيع الخاضع لأوامر السيد وهو الحاكم. ويحيلنا هذا الرسم على جدلية هيجل ونظرية العبد والسيد، فلولا العبد ما كان سيده، ولولا السيد ما كان العبد.

 وفي كتاب الحيوان لأبن الجاحظ تبرز لنا الصورة الذهنية للحيوان وتمثلها في هذا الرسم، حيث تحدث الجاحظ عن الصورة الهزلية الجادة الساخرة  فيه عن العرب والأعراب، وأحوالهم وعاداتهم ومزاعمهم وعلومهم وبعض مسائل الفقه والدين وصفوة مختارةٍ من الشعر العربي والأمثال والبيان ونقد الكلام، كما يعد أول كتاب جامع وضع للعربية علم الحيوان.. لأن من كتبوا قبل الجاحظ في هذا المجال أمثال الأصمعي، أبي عبيدة ، ابن الكلبي ،ابن الأعرابي، السجستاني وغيرهم. كانوا يتناولون حيوانا واحدا، وكان اهتمامهم لغويا وليس علميا، ولكن الجاحظ اهتم إلى جانب اللغة والشعر بالبحث في طبائع الحيوان وغرائزه وأحواله وعاداته، ويعد كتاب الحيوان للجاحظ أضخم كتب الجاحظ إطلاقا، ويعد دائرة معارف واسعة الأفق، وهو صورة بارزة لثقافة العصر العباسي. حيث يقول “هذا كتاب تستوي فيه رغبة الأمم، وتتشابه فيه العرب والعجم، لأنه وإن كان عربياً أعرابياً، وإسلاميا جماعياً، فقد أخذ من طرف الفلسفة، وجمع معرفة السماع وعلم التجربة، وأشرك بين علمي الكتاب والسنةِ وجدانَ الحاسة وإحساس الغريزة، يشتهيه الفاتك كما يشتهيه الناسك”.

كما تحيلنا هذه الصورة عن الوضع المباشر للعلاقة بين سيد القوم وخدمه، وهو ما جعلنا نستدل بما جاء في قصيدة أمير الشعراء “أحمد شوقي”

الليث ملك القفار                   وما تظم الصحاري

سعت إليه الرعايا                  يوما بكل انكسار

قالت.تعيش وتبقى                 يا دامي الأظفار

مات الوزير فمن ذا               يسوي أمر الضواري

قال الحمار وزيري               قضا بهذا اختياري

فخلفته وطارت                   بمضحك الأخبار

حتى إذا الشهر ولىّ              كليلة أو نهار

لم يشعر الليث إلا               وملكه في دمار

القرد عند اليمين                والكلب عند اليسار

والقط بين يديه                   يلهو بعظمة فأر

قال: من في جدودي مثلي      كان عديم الوقار

أين اقتداري وبطشي           وهيبتي واعتباري؟

فجاءه القرد سراّ                وقال بعد اعتذار

يا عالي الجاه فينا               كن عالي الأنظار

رأي الرعية فيكم              من رأيكم في الحمار

وبذلك تكون الصورة الكاريكاتيرية صاحبة للحكمة كما جاء على لسان أفلاطون “نحن مجانين إذا لم نستطع أن نفكر، ومتعصبون إذا لم نرد أن نفكر، وعبيد إذا لم نجرؤ أن نفكر”.