ثلاثة أسئلة مع الكاتب أحمد الغازي

يوسف بخوتة

صناعة جيل يقرأ تبدأ من النشأة الأولى، حيث للمدرسة أولا مسؤولية صقل المواهب والتربية على القراءة وذلك لن يتسنى دون توفير أبسط الأمور بدءاً بتوفير الكتاب والمكتبات

أولا: الكاتب والروائي أحمد الغازي صدر لك مؤخرا روايتين واحد بالفرنسية بعنوان ” la lune et la mer” وأخرى بالعربية ” جرم تحت الصنوبر”، نود منك كلمة عن هذين العملين الأدبين، أو كيف تقدمه للقارئ؟

أود في البداية أن أتقدم بالشكر الجزيل إلى القائمين على موقع “القلم الأسود” على العمل الهادف للتعريف بالمؤهلات الثقافية للمنطقة، وعلى الاستضافة الكريمة.

ماذا عن الروايتان؟ فـ “القمر والبحر” (بالفرنسية) حكي عن مسار، إذا كان ممكنا أسميها رواية سيرية. شخوصها قليلون، لكنهم في الخفاء كثيرون، يُرمز إليهم دون ذكر أسمائهم أو مواقعهم بالتدقيق والإطناب كما يقتضي ذلك البناء الكلاسيكي في الرواية، (فأنا لست روائيا احترافياً) لكن ذكاء القارئ كفيل أن يدلَّه على الطريق حتى يستلم الرسالة التي تتناوب فيها إيحاءات الرواية مع حقائق السيرة.

العمل استحضار لمسار طفل كان يبهره قمر الليالي البيض لمّا ينشر عباءته على ربوع تنتمي إلى عالم صغير يعيش على الهامش، طاهر لم تلوثه المدنية بعد، ويحلم بالبحر، في تخوم قرية عالقة بالجبال، صعبة ظروف الحياة بها، سينتشله مشوار الدراسة من مشتله الأصلي، من الهامش إلى المركز، حتى يتلقفه تقاعد قبل الأوان .

بين طفولة سعيدة وتقاعد تؤثثه مخلفات جلطة دماغية عايش الراوي ( تلميذاً وطالباً فموظفاً) أحداث الأزمنة والأمكنة، وتحولات اجتماعية وسياسية، دخل البعض منها متاحف الإهمال، لذلك وجب التأريخ لها حتى لا يغشاها غبار النسيان. كما تتخلل المرحلةَ الزمنية التي تغطيها الرواية (من أوائل الستينيات من القرن الماضي إلى تاريخ الصدور) أحداث، سعيدة أحيانا،ً ومؤلمة أحياناً أخرى، تركت أخاديد في ذاكرة وشمتها تجارب استُجمعت في دزينة من المدن والمناطق، حلوة ومُرة، كانت فيها الغلبة في الأخير، للطبع على التطبع والتعفن الأخلاقي، نتيجةً، والإقصاء ثمناً.

أما فيما يخص الرواية الثانية “جرم تحت الصنوبر”،  فهي حكاية طفل لعِق مرارة الفطام مبكراً، فطام من أمه، فطام من ألعاب الصبا ولهو الطفولة. فطام من العاطفة والوجد. “جرم تحت الصنوبر” اقتلاع قبل الأوان من مشتلها، لنبتة لم يكتمل نموها. طفل، بِكْر أبويه، مختبر تجارب لتربية صارمة ترنو لإنتاج نموذج ناجح بمواصفات بطعم الثأر ومجازاة لطموحات ذويه، يتعرض للاجتثاث، للترك والتهريب.

حدهوم، وغنيمة، وأروة، وميلاء نماذج تطابق مجازاً مراحل العمر الطفولة، والمراهقة، والشباب، والكهولة، ثم الشيخوخة المبكرة.

تُهرّبه حدهوم (الأولى والأخيرة) إلى ظلال الصنوبر الذي كانت أشجاره تكسو وسط القرية، تُسيِّج المدرسة والحدائق. يشترك مع غنيمة في فعل الهروب، أيام المراهقة، هي هروباً من خزي مجتمع محافظ ، وهو خجلا من وضع تقدمي مراهق. تُهرِّب أروة رائحته وتهرُب هي، وراء أحلام عاش أمثالها في عز الشباب، لكنها لم تكن أكثر من مجرد كوابيس. تُهرِّب ميلاء، في مرحلة مراهقة متأخرة إحساسا بانتقاص جزء منه إلى أرض يسيجها عبء السنين واستسلام أمام سراب.

“جرم تحت الصنوبر” صرخة حرمان، صرخة لفضح نفاق الفضيلة الأخلاقية، والحرمان العاطفي، والقهر، والانشطار الوجداني. هي لوعة عاشق وثني، وأنشودة حب لبلدة بني وليد.

 ثانيا: أخترت لغتين مختلفيتين في كل عمل من هذين العملين؟ هل هي خطاب لمتلقي معين أم مجرد تجربة لغة الخطاب؟ وماذا عن هذه اللغة بحد ذاتها؟

اللغة أداة تواصل، تذكرة سفر وتأشيرة للولوج إلى عوالم وثقافات الآخرين. نعرف عن حضارة وتاريخ الشعوب التي نقرأ ونكتب لغتها، أكثر مما نعرف عن شعوب نجهل لغتها. بحكم انتمائي إلى جيل فجر الاستقلال، تلقيت في المدرسة العمومية تعليما كانت فيه المناهج والبرامج توازي وتساوي بين اللغتين الفرنسية والعربية، في مراحل الابتدائي كما في الإعدادي والثانوي. الدراسة الجامعية كانت فيها اللغة اختيارية. جعلني حب الاكتشاف وولعي بها، أميل إلى الفرنسية، لكن هذا لم يمنعني إسوة بمجايلي من تداول اللغة العربية كتابة، وقراءة، وحديثاً، إبرازاً لهويتنا واعتزازاً بخصوصياتنا وعلى رأسها اللغة.

لما صدرت لي روايتي الأولى “القمر والبحر”، أغلبية معارفي في محيطي المباشر تحسروا على عدم إمكانيتهم قراءتها لكونهم غير متمكنين من اللغة الفرنسية. أيقنت ساعتها أن السواد الأعظم من الشريحة التي كنت أطمح أن تتقاسم معي مواضيع كتاباتي بقيت “خارج التغطية”، بعيدة عن المتناول. آنذاك بدأت تختمر لدي فكرة الكتابة بالعربية. إذا صح أن نطلق على هذا الفعل تصويباً نحو متلقي معين فهو كذلك، ما عدا ذلك فلا يتعلق الأمر بقرار قبلي.

 

 ثالثا: تمت إقامة حفل توقيع لروايتك مع مجموعة من الكتاب ببلدتك بني وليد، كيف ترى هذه المبادرة؟ وهل مثل هذه المبادرات صحية لصناعة جيل قارئ؟

في الفترة الممتدة بين 3 و9 أبريل 2017 نظمت مجموعة من الجمعيات المحلية أسبوعاً ثقافياً، تخللته أنشطة تحسيسية بأهمية الحفاظ على البيئة، وأنشطة رياضية، وندوات حول مواضع تلامس انشغالات البادية والتنمية القروية، بالإضافة إلى صبيحة خصصت لتقديم وتوقيع إنتاجات فكرية وأدبية لثلة من أبناء بني وليد، وكانت روايتاي من ضمن الأعمال التي أدرجت في هذا النشاط.  

هذه المبادرة – في نظري المتواضع- تستحق التنويه نظراً لرمزيتها ولكونها تمثل جسراً يربط بين الأجيال، بحيث لا يعتبر الفعل الثقافي وتلاقحه مع العمل الجمعوي الجاد في هذه القرية، وليد اليوم، بالرغم من اللامبالات والتجاهل الذين تتعامل بهما بعض الجهات التي يفترض فيها تشجيع واحتضان هذه المبادرات عوض بخس المجهودات التي بذلها الأوائل، ويتفانى جيل صاعد في ترسيمها، بإمكانياته المحدودة.

صناعة جيل يقرأ تبدأ من النشأة الأولى، حيث للمدرسة أولا مسؤولية صقل المواهب والتربية على القراءة وذلك لن يتسنى دون توفير أبسط الأمور بدءاً بتوفير الكتاب والمكتبات، وفي انتظار ذلك، تبقى مثل هذه المبادرات تشكل نوعا ما “مطلباً مزعجاً” في مواجهة الاستبلاد والاستصغار.

رواية جرم تحت الصنوبر
رواية: la lune et la mer