يوميات نزيلة بالمشفى.. فضح المسكوت عنه

يوسف بخوتة

توصلت بالنسخة الإلكترونية بكتاب “يوميات نزيلة بالمشفى”  لكاتبته سلمى الغزاوي، التهمته في مدة قياسية، أحسست في البداية بالقشعريرة تسري في جسدي وأنا أدخله أو بالأحرى أدخل بوابة المشفى، فما إن أفصحت الكاتبة عن المرض، حتى انتابني إحساس غريب وعميق. وبما أني أعرف المرض وأعرف المستشفى، فكنت أدخل رويدا مغارة الآنين والأحزان والمعاناة، لكن حب المعرفة والقراءة دفعني أن أكمل الكتاب.

عودة إلى الذاكرة

ما إن فتحت الكتاب وبدأت في التقاط حروفه وما بعدها، حتى عادت بي الذاكرة إلى عشر سنوات خلت، حين سقط بين يدي كتاب “الألم” للعربي باطما، الكتاب الثاني من السيرة الذاتية  والمكتوب في وقت قياسي لا يتعدى سبعة أيام، تذكرت بعض من عباراته ومعاناته، تذكرت “لا تسمع إلا الأنين ويا الله“، تذكرت كيف وصف حال المرضى والممرضين المرضى، وتذكرت كيف تمرد على كل شيء من الذات إلى المحيط، المستشفى، الأطباء، المرض، وحتى الكتابة، إذ يفصح: أعرف أن للكتابة ضوابط وقواعد، لكن ليس للموت والألم أية من هذه الضوابط والقواعد، وبما أني أسابق الزمن لأتتم الكتاب، فلابد لي أن أثور على كل هذه الضوابط. فكان كتابه غاية في الألم والمعاناة والصراحة، فضح من خلاله كل شيء، المرض، المرضى، الممرضون، الأطباء، المجتمع والصحة، فضح التعامل اللا إنساني الذي يدور في دهاليز المستشفيات، رغم أنه كان يحظى برعاية ملكية، لكن بما أن تدخل المستشفى في المغرب حتى يتغير معنى الإنسانية والرعاية وكل شيء.

لتعرف تقدم بلد ما أدخل مستشفياته

“من يريد أن يرى الوجه الحقيقي لأي بلد، فما عليه إلا أن يزور إحدى مستشفياته”، عبارة أنهت بها الكاتبة الفصل الثالث من اليوميات، وهي لم تلج المؤسسة الإستشفائية بشكل رسمي، فما إن تلجها الكاتبة حتى تبدأ فصول من المعاناة النفسية والجسدية، وكل ما يتخيل على بال.

قد سمعنا مرارا وتكرارا عن هذه المآسي التي تقع داخل مباني المستشفيات المغربية، لكن ثقافتنا ثقافة السمع فقط، وكأن يدونه المرء يوما بيوم، فهذا ما ينقصنا، فأي ميدان إن تم فضح ممارساته بهكذا كتابات يمكن أن نصنع وطنا يحترم إنسانية أبنائه وكرامتهم، وكتاب سلمى الغزاوي هذا نموذجا.

بساطة اللغة وعظمة المعاناة

برباطة جأش دخلت سلمى الغزاوي المشفى بعد تشخيص المرض، جمعت حقيبتها وقبلت الأم وتركت أختا في رعايتها مخافة مضاعفة السكري، وانحدرت إلى جحيم المشفى، دخلت سلمى المشفى والكتاب بلغة بسيطة حكت ووصفت وشبهت وفضحت أشياء كنا نسمعها فقط، ولم يجرأ أحد على تدوينها، لغياب ثقافة الكتابة أو شيء من هذا القبيل، إلا القليل جدا من هؤلاء، نذكر على سبيل المثال لا الحصر، كتاب “الألم” للفنان المرحوم العربي باطما، وكتاب “أنا والسرطان” للصحفي محمد شروق، والكتاب الإلكتروني هذا الذي بين أيدينا “يوميات نزيلة بالمشفى” لسلمى الغزاوي، ونظرا للكاتبة خريجة الجامعة ومحبة للقراءة، فكان كتابا آخرا من المعاناة، الحكرة، الإهانة، البوح، الألم، والأمل في حياة جديدة  بعد جحيم اسمه المرض، وآخر اسمه المستشفى العمومي بالبلد السعيد.

فما إن تدخل سلمى المستشفى حتى تبدأ في سرد ما تراه عينيها، وما حكي لها، وما تعرضت له من مضايقات، إهانات، سرقات، ابتزازات، تحرش، أمل وألم. هذا التي يأتي في الأخير مسلمة قدرها للخالق، ويهون مقارنة بما تتعرض له من أمراض المجتمع الأخرى حسب الكتاب.

كانت القارئة هي وصديقتها في الغرفة السيدة (سعاد) زوجة أحد الأطر الطبية بالمشفى، والتي ترعى والدتها، تفجر فيها (الكاتبة) الحس الإنساني الذي غالبا ما يخرج في مواقف كهذه، لما لا وهي ترى كل يوم أم تبكي بحرقة فراق أحد أبنائها، أو موت نزيلة كانت جارة بالأمس؟ كيف لا وهي ترى الكرامة تشرى بالمال الحرام، وممرضون وممرضات يلهون ببعضهم البعض، وبهواتفهم أو أمام التلفاز يتابعون المسلسل التركي، ومسلسل الموت يحيط بهم ولا يكترثون؟ المرض هو الموقف الذي يعود فيه المرء إلى ذاته وينكمش فيها ويكتشف أشياء ذات قيمة لا يعرفها ، فانتقدت هنا الكاتبة أشد انتقاد النفاق الاجتماعي الذي كان يدور بها أيام كانت واقفة شامخة عزيزة، لكن ما إن تهاوت وسقت جراء مرض خبيث تسلل إلى جسدها الصغير، حتى تنكر لها الكل، بدواعي أو بدون، إلا القليل جدا، عائلتها التي واظبت على زيارتها، وإحدى صديقاتها زارتها ولم تتحمل رؤيتها ضعيفة.

فعبر 128 صفحة جالت بنا سلمى الغزاوي عبر دهاليز المعتقل العلني الذي يسمى مجازا المستشفى، حيث كان الأطباء أشباه سجانين، والممرضون حراس المعتقل، في حين عمال النظافة والطباخون هم مجرد خدام المكان، الكل فيه يسير حسب ما  تمكله من دراهم تسلبهم داويك وعائلتك ورصيدك، أو مكانتك في المجتمع  لتحظى بقليل من الإنسانية. وسلمى الغزاوي إحدى نزيلات المعتقل البئيس.

انتصار الإنسانة للحياة

بقلب صغير مثقل بالمعاناة وسوء المعاملة سلمت سلمى الغزاوي بقدرها وأعطت جسدها النحيل للأطباء الذي – لحسن حظها-سيشرف عليهم البروفسور (الشرقاوي)، كللت العملية بالنجاح  وخرجت من الإنعاش لتقضي تسعة أيام أخرى في الجحيم وسوء المعاملة، ستسرد فيها (الأيام التسعة) كيف يتعامل الممرضون والأطباء مع المرضى بعد العملية؟ !  كيف يخرج المرء من صراع مع الموت سالما وفي لحظة ما بين هذين الحالتين يطلب منه أن يعتني بنفسه؟ !

بغرابة وسؤال مبهم تتساءل الكاتبة عن هذا التعامل البئيس الذي يتعرض لها المرضى الذين في أمس الحاجة للرعاية الطبية والنفسية: كيف وصل الأمر إلى هذا الحد في أناس يعتبرون ملائكة الرحمان؟

 المشكلة حسب الكاتب تكمن في التكوين، وهي التي عاشت هذا التكوين كواحدة يمر على غرفتها فوج كبير من الطلبة الأطباء يحملون ملفها الصحي. حيث تفصح الكاتبة أن إحدى الطالبات أسرت لزميلتها وبصوت مسموع مفرنسا بأن النزيلة التي أمامهم لديها ورم خبيث، لتجيبها بأن اسمه الورم الحميد، ولا يجب أن تتكلم أمام المرضى بهذا الأسلوب. هذا التكوين هو الذي أعطى نماذجا كهذه التي تصرخ في وجهها (الكاتبة) معاتبين إياها على وضعية الاستلقاء، وكأنها هي المسؤولة على ذلك،  غير عابئين بوضعها الصحي أو لما هي فيه.

هذه الأيام التي سترافقها أختها في المحنة، ولولاها لكان للكاتبة مستقبل آخر غير الحياة، أيام ستتعرض فيها النزيلة لأسوء المعاملة، حيث سيطمع ممرض مريض خبيث في جسدها، ويتمكن من ذلك حين سينفرد بها اليوم الأخير بالمعتقل، حيث تركه الطبيب الرئيسي ينزع  لها النتوءات ويضمد جراحها، لكن في الحقيقة زاد من تعميق الجراح داخل جسد صغير، إذ تتساءل الكاتبة بحرقة: كيف يطمع ممرض مريض مكبوت متزوج وله أبناء في جسد مريضة تحمل الضمادات لا حول ولا قوة لها  سوى الاستسلام لخبثه داخل مقر عمله الشريف؟ !

تخرج الكاتبة من المشفى بعد 26 يوما من الألم والدوار والغيبوبة والحقن المهدئة وأخذ العينات من الدم، وكذا من الإهانة والتحرش وكل ما يخطر على بال القارئ، فهو موجود بهذا المشفى القدر، تخرج وتعود مرة أو مرتين وتقسم ألا تعود مجددا لهذا المشفى أبدا، وتفضل الموت على أن تعود إلى الجحيم.

تجربة إنسانية ستعيد الكاتبة النظر من خلالها في العديد من الأمور، وتخرج من ذاتها الإنسان الذي ينتجه بصدق المرض، وخاصة إذا كان مقرونا بالمسكون عنه، الإهانة والحكرة.