ذاكرة الحلم (5)

فريق التحرير
سعاد مصباحي
كان الجوّ شديد الجرّ والشمس في كبد السماء، فلا طائر يطير ولا دابةّ تسير، فقط من كٌتب عليهم الشقاء والعناء مثلها…جالت كل أركان المدينة باحثة عن شغل يمكنها من حفظ قليل من كرامتها والعيش بأمان.وقفت أمام محل لبيع الأحذية وألقت بسؤالها المعتاد “هل تريد بائعة سيدتي؟”، أجابتها السيدة صاحبة الأعين الزرقاء والشعر الأصفر:” ما هو مستواك التعليمي؟ قالت لها “باكالوريا آداب”.
ابتسمت السيدة ابتسامة عريضة تخفي سخرية السنين وأردفت قائلة “لا أنا أريد فتاة صغيرة لكي ألقنها الحرفة…طأطأت رأسها وغادرت وهي تمتم” ام تريد أن تلقنها الحرفة وهل في بيع الأحذية حرفة، أم تريد استغلال الفتيات الصغيرات…تبا لها وللأحذية، ثم إن هذه السيدة متعجرفة ومتسلطة ومغرورة، لأنها تحمل أعين القطط خالت نفسها سيدة بحق…” واصلت طريها لغير مكان، ثم تسمرّت أمام محل لبيع “البيتزا” دخلت وألقت التحية، تراء لها من بعيد رجل ضخم الجثة غطّى الشيب شعره، يبدو عليه الثراء والبذخ، سألت عن صاحب المحل وهل يحتاجون لمعينة ؟
حظي سؤالها بالموافقة ولكن بشرطأن تكون بالشغل الساعة الثامنة صباحا وأن تغادر منتصف الليل ولكن بأجر زهيد جدا،  وافقت واعتلى الفرح تقاسيم وجهها الذي طفحه أشعة الشمس، وشكرت السيد وغادرت…
قضّت ليليتها تفكر وجالت بفكرها أرجاء العالم، لقد ابتسم لها القدر وتمكنت من الحصول على شغل.. رنّ جرس هاتفها، إنها السابعة صباحا! استفاقت مذعورة إنه أول يوم بالشغل، غيرت ملابسها وغادرت متوكلة على الله وعلى ساعدها.. كان الشغل شبه جيدا مع كثير من التعب وقليل من الأجر، لكن لا بأس به، أثمن من لا شيء. كانت تنظف الطاولة حيث سمعت زبون ينادي” من فضلك آنسة هل تحضرين لي قهوة عربي؟ التفت إليه، لقد وإذا به زبون أجنبي يتحدث اللغة الفرنسية، وبعد دقائق كان مطلبه.. شرب قهوته ثم غادر. في الغد زارها نفس الشخص  وفي نفس المكان وكان له نفس الطلب، لقد قضىّ ثلاث أيام على هذا النحو، وفي اليوم الرابع طلب منها الجلوس حذوه، رفضت أو مرة، لكنه بكل ثقة في النفس طلب من سيدها أن تجلس معه بنفس المكان للحديث معها، وكان له ما أراد.
جلسا يتحدثان قليلا وأعجب بسمرتها وتمكنها من التحدث بنفس لغته بطلاقة، ثم سألها” هل تتزوجينني؟” نزل عليها الخبر كالصاعقة، صراحة لم تتوقع منه هذا فهي لم تأتي للزواج بل للشغل. لم يجبرها على الإجابة وترك لها المجال للتفكير، وفي الليل كانت المفاجئة لقد جاء العاشق يحمل الأزهار الحمراء حيث غطتّ رائحة عطره كل المكان، آه، وأخيرا تنفّس أنفها الصغير العطر بعد رائحة الزيت القاتل، وقف أمامها بكل ثقة ثم ركع أمام الجميع وطلب منها الزواج علنا، كان المطعم يعجّ بالزوار والمصطافين من جنسيات مختلفة. نظرت إلى نفسها وهي ترتدي ثياب مبللّة بالعرق والرائحة القاتلة نتاج خليط المأكولات والزيوت المحروقة.. احمرت وجنتاها وتعالت الصرخات والتصفيقات مشجعة بادرة الفرنسي، قبلها من فمها أمام الجميع وقال لها أحبك..
ضمها إلى صدره كأب يحتضن رضيعه، بكت ونسيت كلّ من حولها وعانقته كالوليد لقد أحستّ بالأمان بين أحضانه، أمان افتقدته لمدة سنة، افتكرت معاناتها وضاعفت عناقها، مسح لها دموعها وحملها من يدها وأجلسها بين الجميع وقال “هذه المناضلة حبيبتي”…
بعد ثلاث أيام حان موعد سفره وغادرها بعد أن تواعدا على الوفاء والإخلاص للأبد، وصل الأجنبي لبلده وكان دائم الاطمئنان على حبيبته فكل يوم يهاتفها ويقضّي معها ساعات  ليلية يتحادثان، وبعد شهر قررّت الذهاب معه لموطنه (فرنسا) وترك الآلام وراء ظهرها، فكان لها ما تمنت،  تمكنت من استخراج جواز سفرها في يوم ، والحصول على الفيزا والمال والإقامة وكل لوازم السفر.
قبل يوم من السفر اتصل بها حبيبها كالعادة ليخبرها بأنه على أحرّ من الجمر للقياها ويوصيها بعدم الخوف، وأنها ستجده بانتظارها في باريس، لكنها صعقته بإجابتها: “آسفة حبيبي لا يمكنني”.
اعتقد أنها تمازحه، ولكن هذا المزاح لم يروقه طبعا، ولكنها أصرتّ على إجابتها وأغلقت في وجهه الهاتف، اتصل مرارا وتكرارا، كان فقط يبحث عن تفسير لهذا الموقف المفاجئ. فغدا ستغادر وتسافر لوجهة وعالم جديد، ولكنها لا تعرف سبب رفضها، فكل ما تعرفه أنها لا تستطيع. أغلقت الهاتف وسألت نفسها “لماذا رفضت؟ هل لا أستحقّ رائحة العطر الراقي؟ هل اعتاد أنفي على الرائحة النتنة فلا يسعه استنشاق غيرها؟ هل الفقر رفيقي، ما الذي أصابني؟…
واصلت أسئلتها وهي لا تعرف الإجابة، فكل ما تعرفه أنها ألقت بفرصة ثمينة في اليمّ…
يتبع…