كتاب: دروب مورسيا الضيقة (14)

يوسف بخوتة

يوميات شخص يسكن حلمه

الدخول إلى المجهول

أنا الآن بين أحضان الأمل وفكّي كماشة، إما أن أنجح أو أخسر وأتيه بين الحواري والمدن والأقطار، بالكاد استقرت وأصبحت أتأقلم شيئا فشيئا مع الوضع الجديد والمكان الجديد، أنا في بلد لم أحلم يوما أكون بين دروبه، وبين أناسه. كل ما أعرفه عن إسبانيا سوى أنها كانت دولة العبور بالنسبة لي، كنا نتبول فيها ونشرب قهوتنا على عجل ونحن قاصدين الوطن. وكذا هي بلد أزمة ألقت بظلالها على القارة العجوز.

 أخرج في الصباح أشرب قهوتي وأعود، Callosa de Segura  هذه مدينة موحشة أيضا، تكاد تكون مدينة شبح، خالية من ساكنيها الذين هم في معظمهم غجر وعرب وإسبان، العرب في الصباح الباكر يرحلون أفواجا إلى حقول الحوامض والمعامل المتناثرة في المدن المجاورة، المدينة هي فقط للسكنى، أما العمل فهو خارج المدينة بكيلومترات  وآهات عديدة.

كنا قد بدأنا نبحث عن هدف آخر أنا والسيد جواد بعد فشل المحاولة الأولى بالمقهى أسفل الشقة، وما عليّ الآن سوى الانتظار والصبر يقولها لي مرارا السيد جواد. في الأيام الذي انتظرتها كانت بداية دخول طريق طويل مظلم، كانت بمثابة دخول المجهول، والمجهول بحر. صعدت قاربا ودخلت هذا البحر وليس لي زاد سوى الأمل، واستعداد تام لما سيأتي من ألم.

 

كان المقام في الأول هنيئا بعض الشيء، خرجنا وتجولنا وزرنا مراكز التسوق الكبرى، وبدأنا بالفعل  في البحث عن ضالتنا، كنت أدخل رويدا رويدا المجهول، و ما إن تدخل بابا حتى تجد نفسك في متهاهة غير مرئية ولا متناهية، ويتحتم عليك أن تكون عارفا لكيفية الخروج أو بالأحرى التعامل معها ليكون الضرر أخف.

كنت أنزلق وأنحدر، ومع كل انحدار سقطة، ومع كل سقطة ندوب.. استمر الانحدار واستمرت الندوب في الظهور، ولا شيء يلوح في الأفق. السيد بدأ عمله معي، وقد أخد مقدما عن ذلك، لكن لا شيء ظهر لي أنا الذي أعيش على أعصابي وهامش المدن.

 

كبرت توجساتي وأنا في المقام الجديد، دخلت المغامرة ولا مجال للتراجع أو الهروب من الواقع، برنامجي اليومي هو قهوة صباحية في مقهى معزول أنا والسيد جواد، نعرج بعدها  إلى إحدى الحوانيت نشترى حاجاتنا للغذاء، نسلك طرقا ملتوية في دروب خلفية (لا أدري لماذا؟)، نقوم بتحضير وجبة الغذاء، ننتظر الباقي من أفراد المنزل، أنزوي إلى غرفي وحاسوبي أرسم وأرسم وأرسم. لا شيء سوي القهوة الصباحية ووجبة الغذاء والرسم. كل شيء لازال معطلا، والهدف لا زال بعيد المنال، أو ربما لم يهتدي إلى خطة جيدة للعب؟

بحث السيد جواد عن رقم طائش بذاكرة هاتفه، هاتف غجريا ودعاه لشرب قهوة الليلة إن كان ذلك ممكنا، وافق الغجري على ذلك، وكان اللقاء في الخامسة والنصف مساء في مقهى  منعزل على هامش المدينة…

 

 

يتبع…

 

قصير القامة نحيل الجسم، يغطي الوشم جزء كبير من جسده، يدخن بشراهة ويتكلم ككل الغجر بسرعة، إن لم تكن منهم لن تميز كلامه، ليس لهم وقف في كلامهم، ينطقون جميلا طويلة وكأنها كلمة واحدة. جلس بيننا نحن الإثنين وقصدنا إلى ما وراء الجبل، هناك يوجد الهدف.. هناك يوجد الهدف.