الطبيعة تأبى الفراغ

يوسف بخوتة

متوهم من يظن أن الذي يقع في الريف وفي كافة ربوع المملكة هو نتاج الصدفة، لأن لا مجال لهذه أمور في نظم تحكم بقبضة من حديد شعوبها، فلكل نتيجة كيفما كانت سببها، والقاعدة تقول: نفس الأسباب تفضي إلى نفس النتائج.

ففي السنين الأخيرة عرف المغرب تراجعا خطيرا في كل المجالات الاجتماعية والحقوقية والسياسية، وتوغل المخزن جذريا طولا وعرضا في كل هذا، ساهم بذلك في إضعاف دور المؤسسات التي من المفروض أن تكون وسائط حوار وخدمة بين الحاكم والمحكوم، لكن بإفراغها من دورها ومحتواها وجعلها مجرد أسماء عوض أن تكون مؤسسات دستورية تقوم بدورها، عرف المغرب فراغا مهولا في حقله السياسي والاجتماعي والحقوقي. ساهم هذا بشكل كبير في تنامي فكر جديد لدى طبقات معينة من الشعب ليقوم بدوره لملأ الفراغ المحدث والشرخ الواضح بين المخزن والرعية.

فمسلسل قتل الأحزاب الذي نهجه المخزن منذ بداية الألفية مع الاتحاد الاشتراكي، وحزب التقدم والاشتراكية وحزب الاستقلال وأخيرا مع حزب العدالة والتنمية، والدفع بأحزاب أخرى جديدة إلى الساحة السياسية هدفها أساسا إضعاف الأحزاب الكبرى وقطع الطريق على تمددها الشعبي، والضرب في مصداقيتها بتمهيد البساط أمام زعماء فاسدين ليرأسوا هذه الأحزاب، عرف المغرب تخبطا كبيرا في العمل السياسي بعدما كانت الأحزاب الكبرى كالاتحاد الاشتراكي يرسم طريقا منيرا للديمقراطية نهاية التسعينيات من القرن الماضي، لكن بتولي الملك محمد السادس العرش عملت النخبة المحيطة به، والتي تشكل جهاز المخزن السري إلى نهج سياسة إضعاف كل حزب حزب ليتسنى لها (النخبة) تزيين صورة الملك أمام الشعب، لتكون  بذلك ترتكب خطأ واضحا في ضرب عمل كل المؤسسات التي من المفروض أن تكون آلية وساطة بين الشعب والملك في إطار حكم ديمقراطي حداثي.

خطأ وقع فيه المخزن، حين جعل الشعب لا يثق في أي واحد من الأحزاب ولا المؤسسات، إلا في شخص الملك الذي هو بمثابة إجماع لدى الشعب المغربي، وبالتالي حصل في غير ما مرة تصادم مع الملك والشعب، في ثلاث  حالات بارزة منذ توليه الحكم، الأولى في حركة 20 فبراير حين خرج المغاربة ينادونه بإصلاحات سياسية ودستورية، استجاب لها الملك فوريا بإقرار دستور 2011 وتنظيم انتخابات سابقة لأوانها أعطت الفوز لحزب كان في القريب العاجل مهمّشا. والثانية في قضية  العفو عن البيدوفيلي دانيل كالفان، حيث خرجت الحشود في عدة مدن تشجب وتندد بالفعل الذي يخدش صورة المغاربة ويمسهم في كرامتهم، قضية كان في الملك في احتكاك مباشر مع الشعب، والذي دفع به إلى إلغاء العفو وتدخل السلطات الاسبانية للإعادة المجرم إلى السجن، وكذا صدور أكثر من بيان من الديوان الملكي يشرح فيه ظروف وحيثيات القضية للشعب في تجاوب مباشر معه (الشعب). ضاربا كل المؤسسات والوسائط، وهذا خطأ وخطر لدى وعلى المخزن.

القضية الثالثة في الاحتكاك الملك والشعب، هي قضية الحراك الشعبي بالريف والذي انتقل إلى مدن أخرى بالبلد، حراك يطاب بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. مطالب حقوقية تعتبر بسيطة، كمستشفى لأمراض السرطان، وكذا نواة جامعية بالمنطقة وتوفير الشغل للشباب، لكن الدولة بغياب المؤسسات التي من المفروض أن تقوم بواجبها، ساهمت في تأجيج الصراع، وأصبح من بين شروط المحتجين للحوار هو محاورة الملك مباشرة، وهذا بتصريح العديد من قادة الحراك. والزفزافي القيادي البارز في الحراك، قالها مرارا وتكرارا: لا للدكاكين السياسية (الأحزاب)، لا للنقابات، ولا لجميعة المجتمع المدني.

خطأ كبير وقع فيه المخزن على مر السنين، وها هو الآن يدفع ثمنه، حيث إلى حد اللحظة التاريخية عاجز عن إيجاد مخرج للأزمة، ومن المؤسسة التي ستفتح باب الحوار مع هؤلاء المحتجين الذين يرفضون كل المؤسسات؟

حوار اختاره المخزن أن يكون أولا بالمؤسسة الأمينة، وذلك عبر الدفع بزعماء الأغلبية التي فقد فيهم الشعب ثقتهم بالتصريح تخوين المحتجين ونعتهم مباشرة بالإنفصالين، مع تجيش القوات العمومية والسفر إلى الريف لمحاصرته. قضية ستزيد الطين بلة، ويخرج الريف عن بكرة أبيه يقول للعالم مطالبنا اجتماعية بشكل سلمي ولسنا انفصالين، ولا حوار مع هؤلاء.

سيتفطن المخزن للخطأ الذي وقع فيه وينقلب 360 درجة عن تصريحاته، ويقوم بزيارة ميدانية إلى عين المكان وذلك بإرسال أكثر من 8 وزراء يمثلون قطاعاتهم، لكن بدون جدوى. سيسعر من جديد كعادته المخزن ويجيش المساجد والساحات وتبدأ المطاردة والاعتقالات والعنف والعنف المضاد، تشتعل الشرارة من جديد، ويرتفع سقف المطالب.

يعجز المخزن عن إيجاد حل سلمي يحفظ وجه صورته التي تخدش أمام العالم  وذلك لفتح باب الحوار، وكذا عن إيجاد إطار يمكن أن يقوم بهذا الأمر في ظل الثقة المفقودة في المؤسسات، فظهرت بوادر أشخاص موضع ثقة ليقوموا بهذا الدور، لكن لا زال العجز واضحا عن الصيغة التي سيبادرون بها الفعل لإقاف شرارة الاحتقان الشعبي الذي وصل ذروته باعتقال زعماء الحراك والعديد من شباب المنطقة المحتجين والأخبار التي تروج حول تعرضهم للتعنيف وسوء المعاملة، ما يحيل أن المغرب يعود تدريجيا إلى سنوات الرصاص، حيث كان الناس يختطفون ويعذبون ويرمون في السجون بدون محاكمة ويغتالون أيضا. وهذا عين الخطأ الذي وقع فيه المخزن منذ بداية الألفية، فالطبيعة تأبى الفراغ.