الهاتف و الهتاف (قصة قصيرة)

فريق التحرير

سعاد مصباحي

 قالت له: “إن كنت تحبني لبّي طلبي”. سألها :” وما هو طلب جميلتي؟  أجابت:  هاتف قار بالمنزل، كي أتمكن من الإطمئنان على الأهل كل مرة، عوض أن أزورهم مرة في الشهر ، أطمئن مرتين في الأسبوع…

 رد: هاتف قار؟؟ ما هذا الهراء ومن أين لي بثمنه، إنه باهظ الثمن وأنا فقير الحال، يكفي أن أوفر لك القوت اليومي.. هل أصبحنا في زمن الاطمئنان بالمال عن الأهل والأقارب؟ ما هذا البلاء الذي سأجلبه لجيبي، هل سألقي بأموالي للدولة؟ هذا زمن الكلام بالمقابل لقد صدق والدي رحمه الله…

انزوت في غرفة الجلوس وهي تمتم” أنت لا تحبني، قطّ ما أحببتني…”، طلع الصباح وسمعت جرس الدار يرنّ وهتاف الجارة فاطمة وهي تصرخ “جميلة، جميلة تعالي، إنهم أعوان الاتصالات يريدونك.

خرجت مسرعة قابلها شاب يافع بعمر الزهور وقال لها أنه أحد أعوان مركز الاتصالات القارة جاء من أجل مطلبهم لإتمام كل الإجراءات.. بعد ساعة من الزمن أنهى الشاب شغله وتم وضع الهاتف بقاعة الجلوس، فرحت الزوجة كثيرا وأرسلت بابنتها لإحضار مشروب، إنه يوم عرس بالنسبة لها.. زارها الجيران يباركون لها المولود الجديد، وكان كل ما دخلت جارة تعالت الزغاريد بأرجاء المنزل وكأنه يوم عيد فتبتسم الأم وتقول “بوركتم يرجع لكم في الفرح إن شاء الله”.

رجع الأب من الشغل ومعه صندوق صغير من الخشب وقفل ومفتاح، وقف الجميع مذهول وصرخت الأم “ما هذا يا رجل، هل هذا صندوق لوضع المال؟”، أجابها “لا إنه صندوق لوضع الهاتف وسيكون الاتصال بإذن مني فلا أحد يستطيع لمسه وأنا غائب”…

لم يكن يعرف الأب مكر الأبناء فقد قاموا بثقب أسفل الصندوق وكان كل ما احتاجوا الاتصال بصديق اتجهوا للثقب وأخرجوا السماعة وبقلم حبر جاف يتمكنون من الأرقام ويمضون الساعات الطوال في التحدث. هذا الأخ الأكبر يداعب صديقته، والأخ الأصغر يلاطف حبيبته، والأخت الوسطى تلعب لعبة “بنت ولد” مع صديقتها بالدراسة “سهى”، والصغيرة تسأل عن العمل المنزلي الذي قدمه الأستاذ من صديقتها “درّة”… كل هؤلاء الأطفال أفشلوا خطة الأب المسكين.

وهو جالس يحتسي الشاي دخلت الجارة “غزالة”، امرأة صاحبة بنية حدية، شديدة اللهجة لكن طيبة القلب، جاءت تطلب إجراء مكالمة للاطمئنان عن ابنتها “منية” التي تقطن بعيدة عنها، فابنتها منية فائقة الجمال كانت قد تزوجت منذ سنوات ، ولكن لسوء حضها تزوجت برجل يسكن في أدغال البلاد، وكانت كل سنة تنجب طفلا وكأن بالأطفال سينقرضون، مما دفع بأمه من طردها من منزلها لكثرة صغارها وكثرة هرجهم.. جلست الجارة وطلبت بصوت محتشم “هل يمكنني إجراء مكالمة، لقد سمعت بأن ابنتي حامل مرة أخرى وهي لم تتعدى الثلاث أشهر منذ ولادة ابنتها، فهي لديها لحد الآن ثمانية أطفال..سأوبخها سأقتلها إن لم تتخلى عن هذا الصغير، كيف ستعيل أطفالها وزوجها التعيس لا يملك شغل؟ كيف ستقوم بتربية كل ذلك الفريق؟؟؟

أسئلة طرحتها العجوز وهي تبكي، فما كان من الأب إلا أن فتح الصندوق وقال لها” تفضلي اتصلي بابنتك”…لكن تفاجأت المسكينة بكلمة لم تسمعها من قبل” لقد تم فصل الخط، لا يمكنك الاتصال”، مررت السماعة للأب وطلبت منه تفسير ما قيل، وأن امرأة متعجرفة أجابتها وهذه المرأة ليست بابنتها وتعالى هتافها، أين ابنتي ماذا فعلوا لها، من هذه الغريبة التي حادثتني؟ وضع الأب السماعة عند أذنه وسمع صوت يقول “لا يمكنكم الاتصال لقد تم فصل الرقم”. ألقى بالسماعة وقال لزوجته” جميلة، جميلة لقد تم فصل الرقم ارتاحوا جميعا فبعد اليوم لا هاتف ولا هتاف.