ناصر الزفزافي أو “الزفزافي”

محمد بوجيدة

حا شهر الصيام و ارتفعت معه وتيرة الاحتجاجات و صدحت أصواتها في الريف وفي مناطق أخرى من المغرب تضامنا مع اعتقال زعيم حراك الريف ناصر الزفزافي. مرحلة حرجة من تاريخ المغرب، نتمنى أن يتخطاها بسلام. لقد امتلأت الكأس و لابد من وضع نقطة نظام لأن مستوى التفكير الذي وصل إليه شعب الفيسبوك يخيفني، الحرب على أشدها بين رواد الشبكة العنكبوتية، صوت البنادق يعلو و رائحة البارود تنبعث من جدران الفيس، لغة التخوين وصكوك الاتهام غير ذات نفع تنشر هنا و هناك، يقال عادة بأن أسوء العقول هي من تحول الاختلاف إلى خلاف. قال تعالى في محكم تنزيله:” و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”.

في الأوساط الشعبية المحلية يطلق مصطلح “الزفزافي” على الريح القوية التي تعصف بالأخضر و اليابس و تحطم الأشجار و تخرج الأفاعي من الجحور و تبعثر كل شيء، هذا ما يتبادر إلى الذهن عند سماع كلمة “الزفزافي” في المخيال الشعبي المحلي، و ناصر الزفزافي ما هو إلا صوت صدح من الهامش المنسي بعثر أوراق المسؤولين و عصف براحتهم حينما أخرجهم من مكاتبهم المكيفة وإنزلهم على تراب الحسيمة حاملين مشاريع آنية كالساحر الذي ياتي بسحر غريب أمام ذهول الحاضرين، إلا أن تصديه (ناصر) لإمام المسجد و هو يخطب في الناس و يعظهم بآفات الفتنة، و تجاوزه لحديث أبي هريرة و إفساد صلاة الجمعة ب” لغوه” قد عجل باعتقاله، هذا الفعل وضعه بين مؤيدين ومعارضين للنضال الذي يخوضه، فانقسم المغاربة إلى فئتين،  و خاصة عندما رفع الزفزافي العلم الأمازيغي عوض العلم الوطني المغربي و صورة عبد الكريم الخطابي بدل صورة ملك البلاد في المظاهرات التي قادها…

اتفقنا مع منهجيته أو اختلفنا معها يبقى الزفزافي شخصية موجهة لحركة احتجاجية صمدت لسبعة أشهر، انقسم المغاربة على إثرها إلى قسمين: مؤيدين و معارضين، كل جيش بما لديه مقتنع، كل فئة تظن أنها على صواب و الأخرى على خطأ، فكثرت الاتهامات و الشتائم دون مراعاة حرمة هذا الشهر المبارك، و في ظل تدفق المعلومة، صعب علينا التمييز بين الإعلام الإيجابي و الإعلام السلبي،  و لا التمييز بين القلم الحر و القلم المأجورين،  والتنوير و الاستحمار، لهذا لا يجب أن نثق بكل ما يدون على جدار الفيس بوك. ظرفية مضطربة يمر بها المغرب الآن، و لهذا لا بد من حوار هادىء و مسؤول لندرك الحقيقة، و أن لا نفسد ما قدمه الشعب المغربي من تضحيات من أجل الحفاظ على المكتسبات التاريخية للبلاد و الحفاظ على وحدتها الترابية في مواجهة خطط و محاولات تستهدف تكسير أمن المغرب.

القضية لها وجهان: الوجه الأول و هم مؤيدي الزفزافي: هؤلاء يرون أن حراك الريف جاء نتيجة التهميش الذي يعاني منه المواطن المغربي عموما و الريفي خصوصا، فخرجت الساكنة للاحتجاج من أجل المطالبة بتحسين الظروف المعيشية للمواطن كالتعليم و الصحة و السكن… و الوقوف في وجه المفسدين الذين عاثوا في الأرض فسادا، و هذا حق مشروع لكل مواطن مغربي، و فعل شعبي عادي جدا، و الدستور ينص على الاحتجاج بطرق سلمية من أجل تحقيق المطالب دون تكسير الواجهات و السيارات أو القيام باحداث الشغب. و في السياق ذاته نذكر احتجاجات تاونات على سبيل المثال، حيث خرجت ساكنة الاقليم للاحتجاج بطريقة حضارية قبل شهرين من انطلاق حراك الريف تحت لواء التنسيقية الاقليمية لرفع التهميش عن إقليم تاونات، و لا زالت احتجاجات الأخوة البكوري قائمة حتى تحقيق مطالب التاوناتيين دون تسجيل أي تخريب للملك العمومي.

و الوجه الثاني و هم معارضي الزفزافي: أولئك يقولون بأن الريفيون يخوضون احتجاجات من أجل الانفصال خدمة لأجندة خارجية مهددين بذلك الوحدة الترابية للبلاد، وينشرون الفتنة والتفرقة و المغرب في مأمن عنها، و هذا أمر غير مقبول، لان لنا تاريخ و حضارة مشتركة و مستقبل مشترك و كلنا مغاربة مسلمون. المغرب مكون من شعب متنوع: ريفي عربي سوسي أمازيغي جبلي صحراوي… تحت راية حمراء بنجمة خضراء، وحدتنا في التكتل و الدفاع عن مطالبنا الموحدة، لا للتفرقة و المغرب محاط بأعداء متربصين به، منهم من يريد التهلكة فقط و منهم من يبحث عن أسواق جديدة لبيع الأسلحة.

هذا قول الفئتين، و كل فئة تعبر عن رأيها و عن نظرتها للواقع وللأشياء، و الكل محق في تفكيره، و هذا الاختلاف في الرأي نابع عن حب الوطن، و كل فئة ترى الأمور من منظورها الخاص و انطلاقا من واقعها، الفئة الأولى تحلم بمغرب مزدهر متقدم كالدول الأوربية، و الفئة الثانية تخاف على مصير المغرب كما صارت سوريا و ليبيا و العراق…

الآن. المهم لا يحق للمؤيدين أن ينعتوا المعارضين ب”العياشة” كما لا يحق للمعارضين أن ينعتوا المؤيدين بالخونة، هذه المزايدات المرتبطة بالوطن و الوطنية تكشف عن تفكير سلبي خطير، لأن المواطنة شعور و سلوك و حرقة الانتماء، لا أحد يناقش الوطن،  لأن الوطن يسسكننا قبل أن نسكن،  و لا أحد يرضى الشر لوطنه، المغرب يتسع للجميع رغم اختلاف الانتماءات و الايديولوجيات و لا يحق لأي أن يساوم الآخر في وطنيته.

الزفزافي يترجم موت المشهد السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي في المغرب، و بالتالي يطفو الاحتجاج تلقائيا على سطح الواقع في محاولة لتغييره و الوقوف في وجه كل مفسد أثيم. يجب التكتل و وضع اليد في اليد و المطالبة بالحق في العيش الكريم مع الحفاظ على الاستقرار و الوحدة الترابية و عدم السماح لاي جهة خارجية المس بامن الوطن.