كتاب: دروب مورسيا الضيقة (15)

يوسف بخوتة

يوميات شخص يسكن حلمه

في ضيافة الغجر

 قصير القامة نحيل الجسم، يغطي الوشم جزء كبير من جسده، يدخن بشراهة ويتكلم ككل الغجر بسرعة، إن لم تكن منهم لن تميز كلامه، ليس لهم وقف في كلامهم، ينطقون جميلا طويلة وكأنها كلمة واحدة. جلس بيننا نحن الإثنين وقصدنا إلى ما وراء الجبل، هناك يوجد الهدف.. هناك يوجد الهدف.

دلنا جليسنا الغجري على المنزل الذي وراء الجبل، حيث يعرف ضحية التي ستعطينا اسمها نضعه في عقد زواج أبيض، فالغجر من أجل المال يبيعون كل شيء، ويفعلون كل شيء كذلك، هم مجتمع منبوذ عبر التاريخ يعيش على الفوضى والعفن والترحال، يجمعون الخوردة وأجزاء السيارات والقطع الحديد. يعيشون في تجمعات كبيرة جدا، ويفرخون جيشا من الأطفال، أصلهم حسب الرواية التاريخية فيه قول كثير، وكل ما يعرف عنهم أنهم شعب ليس لهم أصل ولا موطن، تعرضوا عبر التاريخ للنبذ والاضطهاد. تقول الأسطورة أن أصلهم الأول من الهند، وذلك لتشابه اللغة التي يتكلمون بها فيما بينهم باللهجات في الهند، تفرقوا على العالم وخاصة في القرون الوسطى، يتوزعون أساسا في أوروبا، فبداية التأريخ لهم بدأت من القرن السادس عشر، حيث طردهم إمبراطور رومانيا بعد اتهامهم بالعمالة للدولة العثمانية، فتأججت النزعة العنصرية تجاههم وأصدرت قوانين ضدهم، ليجمعوا مجتمعهم ويعيشون على الترحال، ولا زال بعضهم يعيش نفس الوضع إلى يومنا هذا. إلا أن معظمهم استقروا في منازل وأحياء هامشية، وخاصة في جنوب أسبانيا ووسطها، حيث منعهم البحر الأبيض المتوسط من غزو إفريقيا كذلك.

تمتاز فتياتهم – خاصة بإسبانيا- بالجمال الفاتن، إلا أن قوامهن يأخذ في الترهل والبدانة بداية من سن العشرين، فهم لا يعرفون لا الحمية ولا الصحة والتطبيب،  هم شعب منغلق تماما على نفسه، يعيشون على الهامش والفوضى والعفن. ويعتبر(الغجر) في إسبانيا سوقا كبيرة للمرشحين للانتخابات مقابل امتيازات صغيرة.

الغجر إذن مجمع العفن، وها أنا أدخل هذا العفن، وصلنا في عشيتنا تلك إلى باب المنزل في حي عشوائي وراء الجبل والمدينة، كانت الساعة تشير إلى السابعة مساء، الشمس لازالت تتأهب للغروب، ترسم ظلالا طويلة لأجسامنا وانتظارنا، طرقنا الباب مرة وأعدنا ثانية.. خرجت من ورائها حسناء تحمل طفلة في جنبها الأيسر، فتاة في 19 من عمرها، جميلة الوجه ككل الغجريات الجنوبيات بإسبانيا، ترتدي سروالا قصيرا وقميصا يبرز كل ما فيها من أنثى. شعر حريري عبثي التصفيف، حافية القدمين يغطي وشم صغير كعبها الأيمن.  انتصبت أمامنا علامة الاستفهام بادية على محياها.

استفسرتنا عن سبب الزيارة، فبادرناها بالسؤال عن رفيقها. نادته بصوتي غجري مميز يجمع بين السرعة والشدة: خوصي.. خوصي..

خرج يحك عيناه شبه عار ترتسم علامات وشم عشوائية على جسده المرتق أسفل الصرة، سلم علينا واحدا واحدا، وبادرناه بمقصدنا، ظهرت على  محياه علامة الرضى والسرور، ودخلنا في حديث مسترسل أمام الباب، تواعدنا على زيارات أخرى وتناصحنا بأخذ الحذر الواجب.

عدنا أدراجنا وقد وجدت مبتغي الذي أنا قاصده، أخيرا بزغ أمل من وراء الجبل، أخيرا وجدت ضالتي وبإمكاني أن أحمل بمستقبل غير الذي كنت أتصوره.

ودعنا الغجري الوسيط ومكنته مقابل خدمته 50 أوروها وقصدنا البار لنشرب قهوة الأمل، في رمشة عين حل الليل وغطت السماء سحبا سوداء، وما إن دخلنا البار وطلبنا في مشربنا، حتى هبت عاصفة رعدية قوية سالت المياه وديانا في الشوارع، شلت الحركة وقنوات الصرف الصحي. فلربما أعلنت السماء فرحها الغاضب بأملي الذي ارتسم في الأفق؟ !

هدأت الأجواء قليلا وانتصبنا خارجين بعد اتصال للسيد جواد رفيقي، كانت رائحة المياه العادمة تزكم الأنوف، ورفيقي يمزح بصوت مسموع ويلعن كل مؤخرات المغاربة التي تسببت بهذه المصيبة المسائية. استمريت وحيدا في التجوال الليلي شاردا بين الدروب ورائحة الغائط المتناثر على الأرصفة، وبمخيلتي أشياء وأشياء، وأسئلة البداية والنهاية، أقول  هامسا في نفسي: ما هذا الحظ الغائطي هذا المساء يا الله؟

يتبع…

في الصباح اتصلنا بالسيد خوصي الذي لم يجيبنا إلا في الساعة الحادية عشرة متعللا بالنوم، قلنا: لا بأس، الخير في التأني وليس لنا ما نفعله إلا الانتظار، هذا عملنا الجديد. طلبنا منه اللقاء في إحدى مقاهي المدينة بعيدا عن أعين كثيرة، وان يأتي ورفيقته، ادعى الملعون عدم امتلاكه لثمن الوقود، ولن يستطيع حتى التحرك بسيارته، قلنا له: تعالى وسنتكلف بالأمر، فهذا أمر طبيعي جدا في هكذا أمور، المهم أن تحضر قبل الزوال.

وافق على ذلك وخرجنا نقصد مقهى اللقاء، ونرسم خطط البداية. في الزوال كنا معا في مقهى معزول عن المدينة والأعين، كنا نحن الاثنان، وكان هو ورفيقته والطفلة الصغيرة، وكان سبب اللقاء مساومة عن ثمن المهمة التي ستقوم بها الفتاة. تم الإتفاق على مبلغ صاف قدره 3500 أورو نقدا مع بعض الامتيازات والمصاريف الجانبية الأخرى. شربنا قهوتنا وانصرفنا على أساس أن يبدأ كل واحد منا على جمع وثائقه اللازمة.