ذاكرة الحلم (6)

فريق التحرير

سعاد مصباحي

غادر الفرنسي نحو بلاده وبقيت هي وحيدة مع رائحة الزيوت وصراخ الزبائن والأجر الزهيد… بعد أسبوعين كانت العودة المدرسية، وقررت بين عشية وضحاها العودة إلى مقاعد الدراسة واجتياز الاختبار مرة أخرى مع أقرانها، رجعت على مضض وكانت حسرتها كبيرة عندما شاهدت أن أغلبية رفاقها رسبوا في تلك الدورة، وعلمت حينها أنها ليست بفاشلة، لأن كل من رسبوا كانوا متميزين.

ودعت مقاعد الشغل واتجهت نحو مقاعد الجدّ والمثابرة، وقررت اقتلاع هذا الغول الذي اسمه “باكالوريا آداب”، هذه السنة، ولابد من النجاح والتفوق والاتجاه نحو مقاعد الجامعة، فقد تعلمت أن القطار لا ينتظر أحدا.

مرت أيام وأسابيع وكانت تدرس بجد، وفي يوم دخلت غرفتها وكتبت على كراس الذكريات هذه الكلمات، كلمات خطّتها بألم ودموع:

“وأبي خمّاس أصحاب البساتين.. واسمه “الصابر”، خمّاس كما قلت.. صادق العزم، دءوب.. وأمي اسمها “الخضراء”.. كم صارعت الأيام سقما، وجراحا،و مجاعات وظلما وخطوب.. قصتي ذكريات، يوم كنت البائس القيّال في ضيعة “مرتال” الذي يملكني، يحسب حتى خطواتي.. كنت أخشاه، وأخشى صوته المسموم.. يمتصّ دمي، يغتال آمالي ويقتات حياتي، وأنا طفل صغير، غانم الأشواق.. والمنجل والمسحاة والزنبيل أقلامي… كراريسي.. أدواتي.. غير أني رغم إملاقي وعريي ما زيفت أفكاري وذاتي، فأنا من صغري ثريت عن الزيف، على الظلم، على الإقطاع، آمنت بأرضي، بالأنا المارد، بالشعب، بمن كانوا جياعا، أصدقائي العراة.. بجماهير الأباة.. من هنا كان انطلاقي.. “

 هكذا كان اختياري لطريقي وسلوكي وصفاتي… بين الحزن الدائم الملازم لوجهها واصلت طريق نضالها وكانت تذهب إلى مشغلها في العطل الموسمية لتقتات ثمن الخبز والمئونة إلى حين قرب موعد الامتحان، لقد مرّت الأيام بسرعة البرق، وفي حين غفلة وجدت نفسها تجلس على طاولة وتكتب أسمها ونوع مادة الاختبار.

كان أسبوع شاق بالنسبة لها ففي كل مرة كانت تفكر بالنتيجة وهل سيكون النجاح من نصيبها أم سيكون الرسوب مرة أخرى. ففي كل مرة كانت تتساءل ما أنت فاعل بي أيها المتنبي، ما أنت فاعل بي يا سقراط، ما أنت فاعل بي يا غيلان… ما أنت فاعل بي أيها القدر، هل يحتم على الإنسان أن يعيش البؤس مرارا، لما لا ينتهي هذا الكابوس ونرتاح جميعا، لماذا خلقنا إذا إن كتب لنا الشقاء؟؟؟

حان موعد النتيجة وصعقت بخير تأجيلها لدورة المراقبة مجددا لا ينقصها سوى بضع الصنتيمات للنجاح. بكت وانتفضت وقالت:” لن تهزمني يا قدري”، عادت بعد ثلاث أيام واجتازت الاختبارات وبطبيعة الحال ستنتظر حوالي العشرة أيام لتتلقى النتيجة، وفي تلك المدة عاودها ألم الزائدة فلازمت المستشفى لأسبوع كامل، أسبوع من الألم والحقن والمهدئات والضجر والخوف من الرسوب…وهي على الفراش جاء الطبيب إلى غرفتها وقال لها: لما لا تأكلين طعامك هل أنت مضربة؟ لا يمكن للأدوية أن تعطي مفعولها بدون أكل يا ابنتي. انهمرت دموعها وقالت له:” أرجوك أريد الخروج من هنا، فغدا نتائج الامتحان ولا أستطيع البقاء أكثر، أرجوك أنا بخير الآن، وإن لازمني الوجع مجددا سأعود أعدك سأعود…” ضحك الطبيب وقال لها “أنت من البخلاء هههه، حسنا سأمضي على خروجك وأتمنى لك النجاح”.

غادرت المستشفى وتناست ألمها أما مصيرها المجهول، لم تعرف عيناها طعم النوم، فقد قضت ليلة بيضاء وما أطولها من ليلة، لم يأبى الفجر القدوم في حين نام كل من بالمنزل وتعالى شخيرهم الذي كون سيمفونية المصير المجهول. طلعت الشمس أخيرا، لقد كانت الساعة السادسة صباحا، غيرت ثيابها واتجهت إلى محل يبيع الفطائر، اشترت انثين واحدة لها والأخرى لأختها، اتجهت إلى مقهى غير بعيد عن محل أنترنيت، شربت قهوتها المعتادة قهوة سوداء اكبراس ودخنت سيجارتها، حادثت نفسها قليلا وقامت باشعال السيجارة الثانية، وهي تفكر جاءها النادل، إنه رفيق لها و في الأصل أستاذ مادة الفيزياء ولكن لسوء حظه لم تنتدبه الوزارة لان في تاريخ بلدها من أراد الشغل في الوظيفة العمومية إما أن يدفع رشوة يفوق مقدارها الخيال أو أن ينبطح للأنذال. قال لها صديقها لا تخافي فاليوم سيكون نجاحك سترين، ضحكت وقالت له”أمين”…أنهت قهوتها واتجهت نحو مركز الانترنيت، وقفت أمام صاحب المركز وقدمت له رقم بطاقة التعريف ورقم الاستدعاء،وبعد دقيقتين قدم لها الرجل ورقة وقال لها مبروك لك النجاح، لقد اجتزت الاختبار بملاحظة “حسن”، لقد نجحت. صرخت بأعلى صوتها وارتمت في أحضان الرجل وقبلته: “وأخيرا، وأخيرا، نجحت نجحت يا حلمي…”

اتجهت مسرعة نحو المنزل وفي طريقها كانت تعلن نجاحها لكل من يعترضها معرفة كان أم نكرة. دخلت المنزل، وكان الشخير على حاله والأفواه مفتوحة يحوم حولها ذباب شهر جويلية المتعفن، صرخت بأعلى صوتها، فتسمر الكل ذعرا بأعين حمراء كذئاب مصابة بداء الكلب، أعادت صراخها، “لقد نجحت، نجحت أخيرا”…تعالت الزغاريد أرجاء المكان وعم الفرح ذلك المكان الفقير…اتصلت بأمها تعلن لها نجاحها وفي الإعلان لوم دفين وألم، فرحت الأم بنجاح الابنة المدللة حسب قولها وابتهج الأب وفي حلقه دموع الندم وقال لها بصوت متقطع” مبارك لك النجاح، إن شاء الله يطيل الله بعمري وأشهد لك بشهادة الدكتوراه…أحبك أنا فاعذري جهلي أحيانا…”

أغلقت الهاتف وهي تبكي، تبكي لنجاح حققته بعد ألم، تبكي لفرحة لم تتشارك معها الأهل، تبكي لطريق كله أشواك ونظرات الماكرين، تبكي وفقط.. تجاوزت بكاءها وأجلته إلى مرحلة لاحقة، فاليوم ستختار الشعبة التي ستدرسها بالجامعة والتي ستنحت لها مستقبلها وكيانها، فاختيارها معروف من الأول حين كانت تدرس بالسنة الثالثة ابتدائي، يومها نادتها المعلمة وهي امرأة يهابها جميع التلاميذ، طلبت منها يومها كتابة كلمة “سيارة إسعاف” باللغة الفرنسة، وكانت السنة في بداياتها وتدريس اللغة الفرنسية حينها يبدأ بالسنة الثالثة وهي لم تدرس هذه اللغة من قبل ولكن كانت شغوفة بها لحدّ الجنون. أخذت الطباشير واعتلت المنضدة وكتبت بأنامل مرتعشة الكلمة، صفقت لها المعلمة وهي قلّة وندر أن تشكر أحدا وقالت لها ستحملين المشعل يوما، فقط كوني قوية… وضعت علامة أمام اختيارها الأول، إنه الفرنسية وابتسمت مردّدة سأكون قوية…

يتبع…