الظاهرة الزفزافية

محمد بوجيدة

في ظل الاحتقان الاجتماعي و الاستياء العارم من السياسة و السياسيين في هذا البلد الأمين، ظهرت حركات احتجاجية هنا و هناك تطالب باعادة النظر في السياسة المغربية و التنمية المزعومة. هذا الحراك الاجتماعي سلوك عادي اذا كنا حقا ننتمي الى دولة ديمقراطية تحترم نفسها. الا أن بعض الانزلاقات قد تحول مجرى الاحتجاج و المطالبة بالاصلاحات الى مواجهة بين المدنيين و الأمن في خروج سافر عن بنود قانون المظاهرات. و الخطير في الأمر هو أن احتجاجات المواطنين اليوم اتخذت منحى آخر و هو المطالبة بالاصلاحات فورا و عدم التماطل رافعين شعارات : ما مفكينش… بزز … نظرا لنفاذ صبر المواطنين و عدم القدرة على الانتظار و غياب الخوف من المواجهة.

الشعب المغربي بطبعه ميال الى الهدوء و يطمح في الأمن و الآمان، لكن السياسات المتعاقبة و التي مارست سحرها على العقول، جاء الوقت لنفض غبارها و مواجهة حاملي المسؤولية وجها لوجه. لقد بلغ السيل الزبي، و نزل المواطنين الى الشارع بعد احتقان شعبي دام طويلا بفعل تردي الأوضاع المعيشية و كبت الحريات و انتهاك حقوق المواطنة و تفشي الظلم الاجتماعي و الفساد و الرشوة و البطالة و المحسوبية و الجوع و الفقر و الاستبداد بالإضافة إلى فشل الأحزاب الوطنية من التعبير عن مصالح شعوبها… يمكن القول اذن بأن بركان الغضب جاء نتيجة حتمية لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية شاملة. و أهم المظاهرات التي اثارت انتباه الرأي العام الوطني و العالمي هي حراك الحسيميين الذين نزلو الى الشارع للاحتجاج بقوة و المطالبة بتصحيح الخلل تحت قيادة زعيمهم ناصر الزفزافي الذي تعدى صدى صوته حدود الوطن، فعالجت الداخلية الوضع أحيانا بالقمع مما زاد الطينة بلة في غياب حوار جاد بين القمة و القاعدة، و اتسهت رقعة الاحتجاجات كاضراب النار في الهشيم لحاجة في نفس يعقوب لتشمل مدن أخرى: خريبكة، الرباط، مكناس، البيضاء و فاس…، بالرغم من الانزال الأمني القوي و اعتقال زعيم الريف و بعض النشطاء.

الناشط البارز الزفزافي الذي سحب البساط من الإعلام الرسمي التقليدي الذي يسذج عقل المتلقي في زمان الاعلام التفاعلي و الشبكات الإجتماعية، و استقطب محبين و معارضين على حد سواء، فأصبح قادرا بوسائل بسيطة على تحول الى ظاهرة اعلامية. و الزفزافي ما هو الى نموذج مصغر للشعب المغربي الرافض للتوجهات السياسية المغربية، جاء كنتيجة حتمية للظروف العامة التي يتخبط فيها المغرب في الزمن المعاصر. هذا الرجل بمثابة وسيط تواصلي لتعبير عن الأحساس الجماعي للريفيين خاصة و المغاربة عامة، و هو القائد البارز للحراك الشعبي الذي يمكن تسميته بالظاهرة الزفزافية، و هي لحظة طبيعية ولدت من رحم الاقصاء و التهميش. لذا يتحتم على المسؤولين الاستجابة لمطالب الشعب و الرضوخ لأمر الواقع في محاولة لتنمية هذا الوطن، و من عرض عن الاجابة على الرسائل المبعثة من الشعب فليتحمل وزر عمله، و يجب رميه في مزبلة التاريخ طبقا لقانون الطبيعة، لتنقية المشهد المغربي من الطفيليات التي تمتص دم شعب مقهور، نحن شعب مسالم لا نريد المستحيل، نطمح فقط في اصلاح البنية التحتية و اعطاء الكرامة للمواطن و تحسين مستوى المعيشة و القضاء على الفساد و المفسدين و التخلي عن تكريس مفاهيم الجهلقراطية و الذلقراطية كما يقول المهدي المنجرة عالم المستقبليات. لا يعقل أن نجد طبقة تبذر الملايير و تهرب خيرات البلاد الى الخارج و طبقة لا تستطيع شراء قفة خضر أو تسديد ثمن كراء بيت في حي شعبي، أين نحن من صيحات التضامن؟ أتحسبون قفة رمضان تضامن؟ أتظنون تعليق شارة التضامن الصفراء كوجوهكم فوق الصدور أمر مجدي؟؟؟ لم تعد حيلكم تنطلي علينا، اننا نعي جيدا أسباب الأزمة التي تكاد تعصف بما تبقى من كرامتنا، هدفكم واحد هو تكديس الثروة و تامين المستقبل و كأن الأرزاق و الأعمار بيدكم لا بيد الله، لا تعتبروا سكوت المواطن علامة من علامات الرضى أو غباء و جهل. استغلوا الفرصة التاريخية لتجنيب المغرب من السقوط كما سقطت دول الجوار في حروب لا زالت دماء الأبرياء تسيل لحد الآن و هذا لا نريده لوطننا، لأن المغرب محاط بأعداء متربصين به يريدون زعزعة أمنه.

ممارسة السلطة بواسطة الخوف و الترهيب و التجويع ( الرهابقراطية )، و تملص المسؤولين من تحمل مسؤولياتهم و تكاثر صور الفساد في البر و البحر… كل هذه الأمور و غيرها قد ترمي بوطن بريء الى مخالب التسلح المفترس.