بناء التبن بمرنيسة طقوس وعادات في طريق الاندثار

عبد اللطيف بنزينب

من المعلوم أن قبيلة مرنيسة المنتمية لمقدمة سلسلة جبال الريف،  نصنف جل مناطقها مجتمعا ريفيا، إذ  يغلب على نمط حياة سكانها الطابع القروي، والذي يتجسد من خلال تمسكهم بعاداتهم وتقاليدهم المتوارثة أبا عن جد، والتي لا يزال البعص منها قائما إلى يومنا هذا، والبعض الآخر في طريق النسيان،خاصة ما تعلق منها بكيفية استقبال المواسم الدينية والفلاحية وطريقة الاحتفال بها. 
ومن بين هذه العادات التي لا زالت قائمة وتعرف انتشارا واسعا هناك ظاهرة اجتماعية تسمى “التويزة”، وهي عادة متجدرة عند المرنسيين، والتي تعتبر ميزة تضامنية ضربت بجذورها في عمق المجتمع، واستطاعت أن تصمد لمئات من السنين كممارسة تعاونية، لم تزل ولم تزعزعها هبة العصرنة و تغير الذهنيات و طغيان الفردانية، التي عرفت طريقها إلى المجتمع المرنيسي خاصة، والمغربي عامة، وتعد “التويزة” من الظواهر الاجتماعية المستحبة التي ترسخت في مجتمعنا المرنيسي قديما، وبقيت كممارسة اجتماعية تضامنية رغم التطورات السوسيولوجية الحاصلة، لتبقى بذلك موروثا يثبت روح التآزر و التآلف بين أفراد المجتمع الواحد على مدار السنة، لكي تتقوى و تظهر بشكل جلي خلال موسمي الحصاد و الدرس و جني الثمار و البناء و تحضير الولائم .

وقد أضحت “التويزة” علامة من علامات التضامن الاجتماعي المتوارث عبر الأجيال، حيث يتخذ منها المرنيسيون على غرار العديد من مناطق الوطن وسيلة للقيام بأشغال تعود بالنفع على الفرد و المجتمع، و تبرز “التويزة” كظاهرة تحمل دلالات اجتماعية عميقة من بداية كل موسم حرث أو حصاد أو درس، و حتى عند جمع المحاصيل و جني الثمار و كل عمل يحتاج إلى الجهد الجماعي، وكذلك في التحضير لمختلف المناسبات و الأشغال و المبادرات المحلية التي تتطلب التعاون و التضامن بين أفراد المجتمع.
فبعد موسم فلاحي شاق، يبدأ بالحرث مرورا بالحصد والدرس وينتهي بجمع المحصولات الزراعية وتخزينها كل على طريقته الخاصة، فهناك من يضعها داخل الأكياس، بعدما انقرضت عادة المطمورة التي كانت بجل المنازل الجبلية، ليبقى المحصول من التبن، هذا الأخير  يضع له خزانا على شكل مستطيل أو دائري يسمى “التمون” كل حسب الكمية المحصل عليها، وتأتي عملية بناء “التمون” وتركيبه لتكرس مجهود السنة في جو يغلب عليه طابع الإحتفالية. 
“التمون” هو المصطلح الأكثر تداولا بالمنطقة منذ القدم، وهو ذاك الخزان المستطيل الشكل أو الدائري ويسمى (الخزاني)، وهذا الشكل غالبا ما يعتمد عليه في حالة قلة المحصول، ويتم بناؤه بطريقة هندسية محكمة،  وغاية الإتقان للحفاظ على جودته وتماسكه ضد العوامل الطبيعية، ويتم تركيبه في المكان الذي تتم فيه عملية الجمع والدرس بالبيدر  ويسمى محليا بـ”النادر”. حيث يجتمع فلاحو المنطقة بشكل تطوعي وتضامني بعد غروب الشمس في منزل صاحب “التويزة” الذي يلمهم بوجبة عشاء من القطاني ولحم الماعز أو الغنم متبوعة بصحون “الدلاح” الفاكهة الموسمية، لينطلقوا بعد ذلك إلى البيدر محملين بكل الوسائل والمعدات (المدرات، الغرارب،لليزار،الكرياج..) وهم يرددون أهازيج محلية تبعث الحماس في المنعاونين (اللهم صل عليك ارسول الله)، حيث يتقدمهم خبير يسمى(القطاع) وهو الذي يشرف على عملية بناء “التمون” بقصبته التي يحك بها حواشي الخزان لأعطاء الشكل المطلوب، بعدما يتم إدخال التبن داخل البيدر باستعمال آلة (المدرة) وتوزيعه ودكه باستعمال(الغرابة)، بينما يتكفل باقي أعضاء المجموعة بجمع التبن ووضعه في ثوب يسمى (ليزار) والرمي به إلى الأعلى  حيث يتواجد أصحاب (الغرابة) الذين يدكون التبن ويساهمون في عملية البناء، وليتم في الأخير مد الخبير (القطاع) بالاحجار والظفائر من الحلفة -المنقرضة- أو سياج سلكي (الكرياج) لتنتهمي عملية البناء، ويحضر أهل الخزان “التمون” كؤوس القهوة وصحون الإسفنج إلى البيدر مع بزوغ الفجر ،لينصرفوا بعد مقارعة هذه الكؤوس وتناول الإسفنج إلى حال سبيلهم للاغتسال من غبار التبن والشوائب “النغدة” وإزالة العياء،ويخلدوا للنوم ليضربوا موعدا  مع وجبة الغذاء عند صاحب “الثمون” حيث يقوم الأهل بإعداد وجبة (الكسكس بالحليب)، وبعدها يتم تقديم صحون لحم الماعز أو الغنم متبوعة بأنواع الفواكه والمشروبات،ويتم أيضا إستدعاء الجيران والأقارب في جو أخوي تضامني.

الصورة من الأنترنيت