رسالة بعلامات استفهام كبرى

عبد اللطيف بنزينب

كنا فيما مضى نقول أن الإستعمار الغربي هو السبب في تخلفنا وتهمشينا، وحال بيننا وبين التقدم والتطور ومنافسة الدول الكبرى اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا، لكنني اليوم أكاد أجزم اليوم أننا نحن من سلكنا طريق الضلال بإرادتنا ورغبتنا، هذا الوطن الذي كان يستطيع بإمكانياته الهائلة منافسة أمريكا و أوروبا، لكنه إلى أين يمضي اليوم؟ ولماذا لسنا من صناع القرار في العالم الحديث، أو على الأقل ليست لنا بصمة فيه؟؟ ومن المسؤول؟ أهُم الطامعون في ثرواتنا الذين جاؤوا في منتصف الليل للسيطرة على أرزاق البلاد والعباد بعد أن انتقدوا وطعنوا في من سبقوهم؟ أم تخاذل المواطنين ولا مبالاتهم وعجزهم على مواجهة القمع وتكميم الأفواه الذي تعودوا عليه؟

إن المسؤولية الأولى تقع على المواطنين بسكوتهم وقبولهم بكل ما يجري في وطنهم ورضوخهم للواقع حتى لو كان فاسداً، ومن خوفهم من السلطة لا يمكنهم مواجهتها، فحتى لو تغير الأشخاص فإن كرسي السلطة لا يتغير لأن مرض السلطة في وطننا مُعدٍ وكل من يأتي إلى الكرسي يحذو حذو من سبقوه حتى لو انتقدهم في البداية بأنهم عملاء للإستعمار أو ناهبوا ثروات الوطن لكن بعد فترة وجيزة يصبحون أسوأ ممن سبقوهم، فلماذا لا يحصل هذا إلا في أوطاننا العربية؟ ولماذا الفقر والبطالة والفساد لا ينتشرون بكثرة إلا في أوطاننا العربية؟ ألا من من يتحكم في مصيرنا هم أفراد لا هَمّ لهم إلا مصالحهم الخاصة، والوطن لا يعني لهم سوى اسم على بطاقة الهوية وبقرة حلوب يأخذون لبنها ويتركون أوراثها لمن أوهموهم أنهم سيغيرون حالهم؟
فإلى متى سوف سنظل تائهين بين الخوف والسكوت على مرارة الواقع ناهجين سياسة “شوف واسكت”؟؟ وإلى متى سوف نظل نتفرج على الفساد والإستبداد والظلم المحيط بنا من كل جانب؟ أ لم نعي بعد أن المتسبب في ماحدث ويحدث هو بعض الرموز الفاسدة التي مصلحتها هي الحفاظ على الكرسي، ومن أجل الإستمرارية هو أن يبقى المواطن خائفا خاضعا خانعا لكي تتحكم في مصائره لأنها في الأصل لا هَمَّ لها سوى خدمة مصالحها الشخصية؟؟

فكم دقينا من ناقوس الخطر وما من سامع، كم سألنا وطلبنا ولا من مجيب وكم استنكرنا ونددنا ولا من عاقل ولا رشيد ولا حكيم. الكل صم أذنيه وبات كل الناس مفقوهي العيون،نحن ببساطة لا نخضع ولا نركع ولا نهلع ولا نصرع، باعنا طويل في معارك الشرف وساحات المجد لا تتسع لانتصاراتنا وانكساراتنا.اعترفنا متى انكسرنا كما اعترفنا متى انتصرنا.
لقد “نجحوا” في أخذ الوطن حيثما أرادوا ولكن حتما ستنتزع منهم تلك القدرة وآنذاك سيفقدون صوابهم ويعودون خائبين مذلولين أمام أصغر نفس كانوا يحتقرونها وسيتساقطون كما تتساقط الأوراق في ظل الخريف الذي لم يجف بعد وأقصد الخريف العربي فلا أحبذ أن أسميه ربيعا.

فمهما تلبدت السماء بالغيوم ومهما طال الليل فإن الشمس ما تلبث أن تشرق ولا أحدا يستطيع إيقاف تسلل أشعتها أو يغير مسيرتها مهما أوتي من قوة أو علم، إنهما معادلة ربانية فرضت نفسها رغم الأنوف التي تريد أن يكون كابوس الظلام وحده لساعات اليوم كله، ذلك أن الجلادين والمستبدين والمفسدين والإنتهازيين الديكتاتوريين يريدون منا أن نحيا ونعيش تحت وطأة هذه الظلمة المرعبة طول حياتنا فلا نرى ثمة الضوء تنتشلنا من الهاوية التي نحن فيها غارقين، يريدون منا أن يكون الليل سرمديا طويل الأمد على المظلومين والمحرومين والفقراء والمحتاجين والتعساء، غير أن الأقدار تهيئ أسبابا للخلاص من قيود الظلام لتعم الشمس على أرجاء الأرض.

فهم يتمتعون حينا من الدهر بالنعيم غير أنهم في داخل نفوسهم مرتاعون خوفا من أن تنقلب عليهم الأيام فتبدد ذلك النعيم بضربة سحرية فاجعة ليكون القصاص العادل فهل تكون لهم عبر ودروس ليكفوا عن ممارسة الطغيان والإستبداد والظلم والفساد ومحاولتهم حجب الشمس لكل من يتطلع إلى وطن ديموقراطي أساسه العدل وعموده الحرية وجدرانه الكرامة ام أنهم يتنافسون حينما تكون بيدهم السلطة الحقائق تفرض نفسها بأن الشمس لا بدّ لها من الشروق مهما كانت حلكة الظلام، وشروق الشمس يعني لنا الكثير لا بإطلالتها علينا فقط بل بما وراء هذه الإطلالة من تطلعات وآمال طالما خامرتنا لنكون سادة أنفسنا دون طغاة مستبدين ولصوص مفسدين فإلى أين أنتم ذاهبون بهذا الوطن ؟

لا وألف لا لن نسمح لكم ولا لأتباعكم بأسر الوطن مجددا بإسم النضال والتحرير ولا بإسم الإصلاح والتغيير. كفاكم استخفافا بعقول الشرفاء فقد أهديناكم شرف الآمانة فكفنتموها بأكفان الغدر والخيانة.