حط الطبل وخذ الزمارة

يوسف بخوتة

انتهى الخطاب إذن وطبل من طبل وصفق من صفق، وقيل كثير من النفاق واختفى الكل من وراء كلمات من خشب وفضائح لا تعد ولا تحصى، صحافيين، محللين، مسؤولين، سياسيين ومثقفين وحثالة الشعب المسحوق، كلام في كلام ولا شيء غير ذلك.

انتهى الخطاب، فحطوا الطبل رجاء وخذوا مكانه زمارة، زمروا بأعلى صوت ممكن في وجه كل مسؤول لم يقم بواجبه وتراه لن يقوم، انفخ في وجهه إن كان نائما، متقاعسا، غائبا أو مغيبا. انفخ في أذنه اليمنى إن كان يمينيا، وفي أذنه اليسرى إن كان من أصحاب الشمال، وإن كان من الأنذال انفخ في وجهه مباشرة، وإن آبى السماع فانفخ حتى يسمع، وإذا لم يفعل، أنفخ أكثر وأكثر.

خذ زمارتك وانفخ ملأ جفونك وجنونك واحرص على أن تكون مسلحا باللعاب والبصاق، انفخ ومع كل نفخة رشة بصاق، اسقي الوجه الخبيث الذي أمامك واطلب ما تريده نفخا. استنهض المروءة فيك وانفخ نفخ عشواء، لا تعزف له لحنا وتضعف، إذا عزفت سيضرب معك على الوتر الحساس وتكون من المنهزمين. لا، انفخ ولا تدعه يقترب منك، الأهم أن تنفخ في زمارتك ليستفيق النائم فيه وفيك.

انفخ ففي النفخ آمان لا كالصياح، الذي يمكن أن يدخلك السجن بعقوبة ثقيلة وبدون تهمة سوى أنك صحت. انفخ ففي النفخ حوائج عدة.

انفخ فزمن الطبل والتطبال ولى، وقد حان وقت النفيخ وتخراج العينين، ولم يبقى أحد يقبل شكواك، خذ حقك بيدك، في وقت غابت فيه المؤسسات والمسؤولية والإدارة، فبالأمس اشتكى الملك أعلى سلطة بالبلاد من شكواك، وحثك على الصراخ  الاحتجاج إن لم يقم مسؤول بعمله، إذن خذ زمارتك وانفخ إلى أقصى حد وأقساه.

نزل الخطاب إلى أدنى مستوى يمكن أن تتصوره، وبات ما تطالب به أيها الشعب المغلوب على أمرك، هو ما يطالب به ملك البلاد، فأنت أيها الشعب تشتكي من المسؤولين والإدارة والمؤسسات، وتطالب بالمتابعة والمحاسبة، وملك البلاد  أيضا يشتكي من المسؤولين والإدارة والمؤسسات، ويطالب بالمتابعة والمحاسبة. وإلى أن يتحقق ذلك ما عليك سوى النفخ لعل ينزل هذا الراقد من بطن هذه الحالة المستعصية على الفهم والحل.

فالحالة أصبحت عصيبة ولا شيء يلح في الأفق المظلم، ولقد استفحل الفساد واكتسح كل المؤسسات والإدارات من أحزاب ونقابات وجمعيات ومؤسسات عمومية وشبه عمومية، ولم يعد الخروج منه ممكنا إن لم نطرد الخوف من أنفسنا وجعل كل مسؤول يحترم عمله. وهذا لا يأتي إلا بمزيد من الوعي، وهذا الوعي لا يعطيه الإعلام الرسمي الذي يطبل لأي خطاب خطاب ويحثك على التطبيل، في حين أن الوقت تحتاج إلى فعل أخر غير التطبيل، ليكن أي شيء آخر غير أن نطبل للباطل.