رسام الكاريكاتير بين عمق الحرف وحِرفية الرسم… حوار مع رسام الكاريكاتير التونسي عبد القادر مسعود

فريق التحرير
 أجرت الحوار سعاد مصباحي
لن نقف كل مرة على باث ومتقبل، لن نقف كل مرة على سؤال وجواب، لن نقف كل مرة على قانون الحوار أو المحاورة، هذه المرة سنترك المجال مفتوح للرسام، لفنان الكاريكاتير كي ينساق مع عالمه الخاص ويتدرج من عالم الرسم بالأبيض والأسود إلى الكتابة التقليدية. اليوم ونحن نعانق كلمات الرسام التونسي رسام الكاريكاتير الأستاذ   عبدالقادر مسعود نقف على تفاصيل مسيرة شخص تحدى العراقيل الاجتماعية والعضوية، تحدى نظرة المجتمع المعيق لحلم الطفولة، المجتمع المتنكر لشموخ الذات. رسامنا اليوم سيروي لنا مسيرته الشخصية والتي دفعته بحب العزيمة لتكوين أول جمعية وطنية لفن الكاريكاتير بتونس، جمعية تخطو نحو الدولية بتكريم كل سنة واحتضانها لهذا الفن من كافة دول العالم، جمعية وهي الأولى بتونس لفن طالما اعتبر هجين ومهمش… 
 أولا السؤال الكلاسيكي المعتاد.: من هو الأستاذ عبد القادر؟
 _ عبدالقادر مسعود من مواليد برج السرطان (1972/07/18) مسقط الرأس حي الشباب قفصة .المستوى التعليمي  الخامسة ثانوي،  ومعلومة لابد لك أن تعلميها، هو أنني ولدت معوق لا أتكلم ولا أمشي حتى السن الرابعة أو الخامسة من عمري. حصلت على دبلوم أساسي في النجارة العامة والنقش على الخشب والرخام ، ولي الكفاءة في صنع وتحريك العرائس، كما لي تجربة في تقمص شخصية شارلي شابلن ومشاركات عدة (مهرجانات وطنية و جهوية )، وتجربة سنتي 1999و2000 في تنشيط برنامج ثقافي وترفيهي في التلفزة الوطنية.
لي عدة معارض جهويّة ووطنية، وجوائز في رسم الكاريكاتير والفن التشكيلي. ومن مؤسسي مهرجان ابن منظور الوطني للأدباء الشبان بقفصة سنة 2000. ومؤسس رئيس جمعية أحباء الكاريكاتير بقفصة ومدير الملتقى.
 كلمة كاريكاتير:ماذا تعني لك هذه الكلمة؟
بداية الكاريكاتير تعني لي الكثير. لأنه الوحيد الذي أنقدني من المجهول الذي كان ينتظرني. الكاريكاتير هو اللغة التي يستطيع كل شخص على وجه المعمورة قراءتها، خاصة أنه يحمل في طياته أوجاع وطفولة  العالم وحده، 
والكاريكاتير بالنسبة لي هو المتنفس ، وأذكر أني  كنت أدرس في السنة أولى ابتدائي، وقتها لا أستطيع التكلم ،وفي حصة البراعة اليدوية،  طلب منا المعلم أن نرسم حيوان أليف. حينها شرعت مباشرة في رسم الأرنب، بما أن والدي رحمه الله كان فلاح وكان يملك معظم الحيوانات الأليفة. أذكر وقتها رسمي كان أجملهم حتى المعلم أثنى علي وقال أحسنت.. حينها أحسست بشيء غريب لم أتعرض له سابقا. وشرعت بتلوينه مباشرة باللون الأزرق، ولما رأى المعلم صفعني مباشرة يعني كعبة حلوى وكف. عكس القاعدة.. حينها قررت أن تكون معظم رسومي بالأبيض والأسود، لأنها الطريقة الوحيدة التي تشعرني بالوجود في عالم كله رماديات.
كان زملائي في السنوات الأولى من الدراسة في ابتدائي لا يريدون اللعب معي، لأني لا أجيد التكلم مثلهم يعني (وهواه). هذا ما جعلني في غالب الأحيان منزو بعيدا عنهم، لا ألعب ولا حتى تشاركهم المشي إلى المدرسة وحتى العودة منها.. ولما علموا أني أتمتع بموهبة الرسم صاروا تنافسون على الفوز بي لاستغلالي.. حينها وجدت طريقي لدخول المجتمع .
 أنت رئيس الجمعية الوطنية للكاريكاتير بقفصة”تونس”، كيف جاءتك فكرة تكوين هذه الجمعية؟
مستقبل الرسام اليوم عالما وأن الكاريكاتير هذا العالم، عالم الصورة القاتلة، الصورة التي لا تجني على صاحبها إلا التعب والتتبّعات الوطنية، أو حتى من الجماعات المتطرّفة، فلنقل الصورة التي تقتل صاحبها، هل يأتي يوما وتنحني القوانين أما الرسم؟ أليس من الحق في أن أكون أول محبي الكاريكاتير وان أكون غيور عليه؟ كما أن الكاريكاتير يعتبر من أشد الأسلحة فتكا، لأنه له تأثير مباشر وفعال خاصة ضد السلوك المعادي للإنسانية( الفساد بأنواعه)، فهناك مثلا الرسام الفلسطيني “ناجي العلي” الذي اضطر الموساد تصفيته لما وجدوا خطورة على الكيان الإسرائيلي من خلال رسومه البسيطة والمعبرة. كانت صداها غير عادي، أعشقه حد النخاع وأتمنى أن يكون آخر شيء أفعله قبل منامي رسم كاريكاتير يعبر عن رأيي للحياة.
إن كل فنان مبدع في أي مجال ما، يطمح أن يخلق ويصنع ذاته في الشيء. لكي يستطيع العمل بأريحية. خاصة عندما يجد ضغوطات من المسؤلين الذين لا يحبذون هذا الفن. وبما أني أحد الرسامين الذين يشاركون في المعرض الوطني في دار الثقافة “علي الدوعاحي” بحمام سوسة. في إطار الملتقى الوطني لفن الكاريكاتير بحمام سوسة، تم طرح فكرة تأسيس جمعية مختصة في هذا الفن، في اجتماع تقييمي ترأسه الأستاذة “راضية التواتي” مديرة الدار ومديرة الملتقى. لكن لم ترى النور، حاولت بدوري إنشاء جمعية في قفصة وفقني الله في ذلك وتم تأسيسها بعد الثورة “المزعومة” مباشرة. وهي أول جمعية تأسست في تونس والوحيدة.
 دعمك وحبك للكاريكاتير هل نابع من تجارب وممارسة لهذا الرسم أم من قوة الرسومات بحد ذاتها؟
الرسم يعّد من أهم الفنون التي ساهمت في تطور البشرية، وجعلت التواصل بين الإنسان الحالي والإنسان البدائي، حيث تم بالكاشف أن الرسوم والنحت الذي اكتشفت بالمغاوير والمعابد وبعض اللوحات الفسيفسائية تقريبا بطريقة الكاريكاتيرية، هذا طبعا يدل على أن الكاريكاتير له دور مهما جدا في خلق روح تحدي الزمن والظروف الصعبة التي كان يعيشها الإنسان في كل الأزل. فالنقد البناء هو من أهم الأهداف الذي من أجله خلق الكاريكاتير، وممتهني هذا النوع من الفن عادة يكون قلائل. لأن المجتمع العربي إلى حد الآن لم يستوعبه ويعتبرونه هجين الفن التشكيلي، ويجد الإهمال من الحكومات العربية وخاصة من المسؤولين. تتسائلين لماذا ؟ تقريبا -وأنا أتحمل المسؤولية في كلامي- جل المسؤولين يتفننون في الغش والتحايل والفساد وطبعا يحاربون كل شيء يمسهم من قريب أو بعيد، فمن غير المعقول أن تذهب لأحدهم وتطلب منه الدعم وهو على علم أن الكاريكاتير من الفنون التي تحاربهم ،لهذا يحاولون طمسه آو تجاهله او ما يشابه ذلك .
 صورة رسام الكاريكاتير  التونسي اليوم مقارنة برسامي العالم، أين يمكن تصنيفه، هل لازال ذلك الهجين الذي يغرد خارج السرب؟
الرسام الكاريكاتيري التونسي إلى حد الآن لم يجد حضه بالكامل، مثلا هذا الفن لا يدرس في المعاهد الفنية، ولا توجد نواد في دور المعاهد ولا دور الثقافة والشباب، حتى التظاهرات في تونس تقريبا لا توجد إلا في قفصة . نحن الرسامين نجاهد من أجل الابقاء عليه.  أما بالنسبة لتطور الصورة، وخاصة الرقمية وأثرها على الفن وخاصة الكاريكاتير، فكل محبي الكاريكاتير واعون أن هذا الفن لا يمكن أن يؤثر عليه شيء، لأن ممتهنوه لهم قضية ولا يمكنهم الحياد عنها، هم واعون أنهم على الطريق الذي يجب أن يسلكوها. الكاريكاتير فن نبيل فكيف يسمح الفنان أن يتنازل على نبله؟
نعود إلى الصورة الرقمية، فهي من نتاج التكنولوجيا، ولا يمكن أن تجد فيها الإحساس الحي، أو روح الفن، فمهما كانت قوتها إلا أنها تعتبر عادية أمام الرسم الحي، المنبعثة من خربشات قلم ممزوجة بفكرة بناءة من وحي فنان حساس يؤمن بما يقدمه.
الرسم الصادق ممكن يعيش آلاف السنين أما الصورة (المفبركة) فمآلها سلة المهملات، أو أحد الرفــوف . فالكاريكاتير له أهداف نبيلة، وكما قلت نحن رسامي هذا الفن لن نحيد عنه وبإذن الله سنجد طريقة نجعل منه فن الشعب.
 بعد الثورة التونسية ظهر العديد من الرسامين واجتاح الكاريكاتير العالم الافتراضي، فكيف ترى الأعمال والمستوى؟
نحن نحاول أن نجعل تونس ضمن الخارطة العربية والعالمية وذلك بما حققته جمعية أحباء الكاريكاتير من إشعاع عربي وعالمي، ونحن الآن بصدد تأسيس ملتقى دولي بقفصة، وإن شاء الله تكون البداية الحقيقية للرسامين التونسيين والاحتكاك أكثر والتعريف به عالميا، وهذا طبعا يجلب الاعتراف به من وطنيا ودعمه. بالنسبة لفن الكاريكاتير وجد بعض التنفس النوعي بعد الثورة من خلال المواقع الاجتماعية وبعض الصحف المؤسسة حديثا ، وذلك من بعض الرسامين الذين كانوا منغلقين على أنفسهم خوفا من التتبعات الأمنية التي كانت عبارة على مشنقة لكل مبدع.
الرسم موهبة والموهبة يلزمها متابعة من حيث الصقل والممارسة والاحتكاك أكثر بذوي الخبرة، والرسام التونسي له الموهبة ولكن ليست له القدرة على التعريف بأعماله والمضي بها إلى الأمام. وذلك لعدم وجود من يدعمهم من ناحية نشر أعمالهم في الصحف التونسية، والكاريكاتير كما نعرف مكانه الأساسي الصحف والمجلات. لكن رسامينا ليس لهم ملاذ لنشر أعمالهم إلا المواقع الاجتماعية. وكذلك الكاريكاتير لا يوفر الخبز في تونس، فهناك رسامين ممتازين لكن عاطلين عن العمل. الرسام التونسي له الكفاءة والقدرة على على منافسة الرسامين العالميين، فهو يمتلك الثقافة الفنية والفكر في الرسم وحسن التعامل معها، كما له الدراية الكافية بخبايا هذا الفن. لكن الشيء الوحيد الذي يقف دون هذا، هو التجاهل من طرف سلطة الإشراف آو المسؤولين المباشرين له.
رسام الكاريكاتير، لاذع للبعض، وتافه للبعض الأخر، ولكنه وجود ثابت في فكره، فمن يكون بين النقد والسخرية والتفاهة؟
الرسم أنواع منه الناقد  البناء ومنه الناقد الساخر، ونجد أيضا التافه الذي لا معنى له، ومن أهم الكاريكاتير نجد الرسوم الناقدة البناءة، التي هدفها التوعية نحو الأفضل، وهي رسومات لها تأثير مباشر، أما الرسومات الساخرة، فهي وجدت للسخرة لشخص معين آو كيان.
ولهذا لا يمكن أن يكون له تأثير مباشر، وهناك رسومات يقتصر دورها على الند لا غير، لأن محتواها يكون متوسط. والتفاهة طبعا تجدها في بعض الرسومات التي تكون عادة لا معنى ولا قيمة أدبية آو فنية، وللآسف يوجد في تونس رسامين أعمالهم تطغوا عليها التفاهة، لكنها موجودة على الساحة الإعلامية، ولها اهتمام من السلط المعنية.
 المستقبل المجهول لبعض الرسامين ولهواة هذا الرسم كيف تراه، هل تنصح الشباب بالمواصلة في هذا المنهج أم الانسحاب والانبطاح للقائد؟
 مشكلتنا نحن الرسامين إننا لا نملك العصا السحرية لننهض بهذا الفن ونرموا به إلى أعلى. لو وجدنا الاهتمام أكثر فنريهم ما هو الكاريكاتير وأهمية دوره في توعية التونسي، أولا ومحاربة كل من له صلة بجذب تونسنا إلى الوراء. لا يعني أننا رمينا المنديل، لا سنقاوم كل من يحاول طمس أو التشكيك بقدرته، ونحن نحاول إنشاء نوادي في بعض دور الثقافة والشباب وإنشاء ورشات للتعريف به للناشئة خاصة.
أما على النطاق الدولي ،فجمعية أحباء الكاريكاتير بقفصة ترمو إلى تأسيس تظاهرة دولية في هذ الاختصاص وتأمل الدعم. ونحن الآن في خطوات متقدمة نحو إنجاح التظاهرة، وإلى حد كتابة هذه الأسطر هناك العديد من المشاركات الدولية وصلت لإدارة الملتقى الدولي لفن الكاريكاتير بقفصة.
 من أهم أهداف هذه الجمعية : البحث عن المواهب وصقلها ومتابعتها، وكذلك تكوين ورشات للتعريف بهذا الفن والبحث عن المواهب التعريف برسامي الكاريكاتير وطنيا وعالميا. وأيضا التعريف به كفن قائم الذات وإدراجه كمادة أساسية في المعاهد الفنية بتونس .
 حرية التعبير بتونس، هل هي بالاتجاه الصحيح أم تراها جنيّنة؟
 لرسامي الكاريكاتير رسالة نبيلة وهم يدركون هذا، ويدركون صعوبة المهمة الموكولة إليهم. لا يمكن أن نحيد عن الطريق الذي رسمناه مهما كانت العراقيل ماديا آو معنويا. في الفترة الأولى ما بعد ما يسمى “الثورة” كانت الحرية مطلقة إلى درجة إنها صارت مدمرة، أما الآن نسبيا تقلصت لأسباب يعرفها القاصي والداني، وذلك لوجود  إعلام موازي وإعلاميين عملاء لحزب معين آو كيان. والثقافة على وشك الدخول في متاهات. ونتمنى أن لا نجد أنفسنا في زمن كزمن ما قبل الثورة.
وفي ختام حوارنا نتمنى كما يتمنى رسامنا اليوم أن يتنفس هذا الفن الصعداء، وخاصة أن يتنفس أصحاب الرسائل والقضايا الصادقة الحرية، وليس المنبطحين أشباه الوجوديين والانتهازيين الذين ركبوا على كل شيء حتى على أعناق الورق.
فبالختام “أكون أو لا أكون”.
أعمال الفنان التونسي عبد القادر  مسعود