كتاب: دروب مورسيا الضيقة (19)

يوسف بخوتة

يوميات شخص يسكن حلمه

أما آن لهذا الصداع ان ينتهي؟

ارتحت إذن من الجري، وتنفست قليل من الصعداء، وبدأت أخرج وألتقي بمعارفي  نتحدث في السياسة والغربة والأزمة ونحن على طاولة المقهى، كانت ميرانية مغامرتي فيما يشبه الصفر، لكن كان كل شيء تقريبا قد تم، وما علي إلا بمزيد من الصبر.

في رمشة عين كنا قد قضينا أشياء عدة بعد أن وقفت والسيد مراد على أشغالنا مع أبناء الكلبة.. بعد ثلاثة أيام كنا أمام المحامية نطلب موعدا في الانسطانخرية (مصلحة المهاجرين)،  أعطيت المحامية الملف الأحمر الذي يحتوي على كل الوثائق التي طلبتها  منا قبل أسبوع في أول زيارة لها ، تفحصته وأخذت لنا موعدا. وقد تركنا الغجرية لرفيقها، سنعود إليها وقتما نشاء حسب الاتفاق المبرم معنا، المهم أني أخذت إسمها أدرجه وقتما  أشاء في الوثائق الرسمية.

مر كل شيء كما كان مخطط له، أخذت الغجرية مستحقاتها كاملة، ولم يتبقى سوى أن أصطحبها معي إلى مصلحة المهاجرين لكي نضع هناك ملف الحصول على الإقامة. حددت لنا المحامية تاريخا وأدرجته في مفكرتها، قالت وهي تسطر على تاريخا محددا بالورقة: 

-الأربعاء الساعة العاشرة صباحا بباب مصلحة المهاجرين ستجدونني هناك في الانتظار.

مددت لها مستحقاتها وخرجنا على أمل اللقاء في اليوم الموعود ،تنفست أخيرا الصعداء.. أخيرا يمكن أن أكلم أمي وأطئنها عليّ، إنني بخير أمي لا داعي للقلق…

أخذت الورقة مبتهجا وكأني حققت فوزا عظيما، قصدت المقهى والسيد مراد والسيد جواد رفيقيّ في رحلة التعب نشرب  نخب الانتصار…

في الأيام الماضية كان قد زارنا زميل لي لنفس الغرض، كان الحلم يراودنا ونحن نحسب أيامنا في حقول التفاح هناك بالجنوب الفرنسي، نحلم أن نرى وجوها نفضل الموت والفناء على أن نبقى محرومين منها، وجه الأم ووجه الأب ووجوه الإخوان والأحباب. هناك في حقول التفاح كان الحلم يكبر شيئا  فشيئا، فعزمت أنا الأول على المغامرة، وتبعني هو بعد شهر.

لبث معنا بعض من الوقت ليرتب أوراقه ويعثر السمسار على ضحية أخرى من الغجريات الجميلات المترهلات اللائي يحمن أطفالهن في الجنب الأيمن في مشهد سريالي عبثي. لم تكن الضحية إلا أخت غجريتي في الأوراق الرسمية، بعدما تجمهر الحي كله يوما عارضا علينا  خدمات بناته  اللائي هن في عمر الزهور، وأخريات زوجات يتبعهن جيش من الأطفال، (يعرضهن) لمن يريد أن يتزوج إدعاء ليفك أمر سريّته بهذه الديار. فتيات ونساء بكل السحانات والوجوه كلهن مستعدات لهذه الخدمة. لا يهمهن شيء سوى ما يجنينه من وراء العملية.

هربنا بجلدنا من ذاك الحي القدر بمدينة Elche واعتمدنا على السيد خوسي رفيق غجريتي ليكون منسقا بين زميلي والسمسار والغجرية الجديدة. يطلب منا كل ساعة أتعابه عن هذه الخدمة، إلى درجة أصبح هو الآمر والناهي في العملية.

زميلي هذا كان قد مدني في دائقتي المالية  وأنا أعطي كل واحد ثمن خدمته،  بـ2000 أورو لأكمل المهمة والرحلة، كنت قد أشتريت عقد عمل من نصاب اسمه حميد بمقداره 800 أورو لمدة شهرين، كان يأتينا بين الحين والآخر يشرب قهوة أو بيرة هو المشغل الإسباني الذي يفاخر بأنه صديقه، الذي كنا نمازح بعضنا  أنا والسيد مراد بأنه سريره وليس صديقه. شخص ينحدر من مدينة وجدة ممتلئ الجسم، لا يكف عن التدخين والتدجين، شخص بلا أوراق  تبوتية، تلاحقه الشرطة والحرس المدني والحكومة كما يقول رفيقي السيد مراد. وأتساءل هنا بغباء: كيف لشخص بلا أوراق ثبوتية يدعي أنه يساعد الناس على تسوية وضعيتهم؟ يا لغرابة الواقع، وأغبى عقولنا؟

زميلي هذا السيد عبد الوهاب كان يجري هو الآخر ويتبع نفس الخطوات التي اتبعتها منذ البداية،  انشغل معه السيد مراد، فيما تواريت أنا إلى الوراء أنتظر موعدي في الإنسطانخرية، أتسكع في شوارع المدينة الصغيرة .. أجلس في المقهى المجاور.. أمر أثناء عودتي على (التيندا) أجلب لوازم الغذاء .. أقصد البيت أحضر الوجبة وأنتظر المساء لأعيد الكرة مرة أخرى…

هذا المساء ليس ككل المساءات، كنت جالس وحدي أشرب قهوتي وأحدق في مؤخرات المارة،  وأخطط مذكراتي في مفكرة صغيرة، كنت مشغولا بما ستأتي به الأيام، حتى جاءتني مكالمة من السيد عبد الوهاب يقول عليّ أن أخبر السيد جواد بالمجيئ إليه في باحة استراحة ومحطة الوقود على مقربة من  مدينة (أورويلا)، وأخبرني بأن السيد مراد تم القاء القبض عليه من طرف رجال أمن بزي مدني.

فاجأني الخبر، وأصيبت بالدهشة، تبادرت إلى ذهني أسئلة كبيرة كثيرة، ما العمل وأنا في نصف المهمة؟ لماذا هذا كله؟ ماذا لو تكسر كل شيء ابتداء من اللحظة.

أنهيت المكالمة وقصدت مسرعا ألعن إسبانيا وجدور أباها الغارقة في الوحل، دخلت على السيد جواد وأخبرته بالواقعة، صدمه الخبر أول الأمر، وبعد برهة أفصح لي أنه كان مهيئا لمثل هذا، ركب سيارته وقصد الباقي في محطة الوقود، وتبعته رفيقته الرومانية (آنا) صاحبة الدار التي نكتري.

يتبع…

كانت أمي تقول دائما: “فين ما نقول بريت عاد نصبح مريض”.

لم أكن أفهم معنى المثل الشعبي، حتى سافرت بي الحياة إلى مباعد كثيرة، وبت أفهم جيدا كل الكلام التي كانت تقصه على مسامعي وأنا في أيام المراهقة والطيش. الآن أصبح كلامها واضحا جدا أمام العقبات التي يضعها الزمن أمامي. عقبات وعتبات وأنا أعرج أعمي أحاول الصعود، تارة واقفا، وتارة أحبو، وتارات كثيرة أتدحرج…