حكاية حب عجيبة!

الخضر التهامي الورياشي

هذه حكاية حقيقية، لم أقرأْها في كتابٍ، ولم أشاهدْها في برنامج تلفزيوني، ولم أسمعها في أيِّ وسيلة من وسائل الإعلام، ولم يحْكِها لي حاضرٌ عن غائبٍ، وإنما حكاها لي صاحبها فماً لأذنٍ، وقال لي إنه لم يعرف ما الذي دفعه إلى أنْ يحكيها لي أنا بالذات، غير أنه توسم فيَّ خيراً، وظن فيَّ ظناً حسناً.
وقال:
ـ إني في عقد السبعينيات، ولي أبناء كبارٌ، وزوجتي ما زالت على قيْدِ الحياة، وأنا رجلٌ متقاعدٌ من التعليم، ومتطوع في خدمة بيتٍ من بيوت الله، في المنطقة التي أسكنُها، والناسُ يثقون بي، ويحترمونني، ويرجعون إليَّ في بعض أمورهم، وتكاد كلمتي تكونُ محلَّ إجماع وطاعةٍ.
لم أشعرْ إلا وحنيناً قديماً يدِبُّ في حناياي، ويبعث أمام ناظريَّ صوراً عتيقةً، ويبرقُ بذكريات مدفونة في طوايا النفس.
ووجدتُ نفسي أشتاقُ لرؤيةِ حبيبة الشباب، أيام كنتُ طالباً في مدينة تطوان، ولم تكن هذه الحبيبة سوى الأستاذة التي كنا ندرس عندها!
كانت أستاذة عصريَّةً، وكانت جميلةً طبعاً، وكانت مثار خيالاتنا وأحلام يقظتنا ونومنا نحن الشباب، ولم أجرؤ يومئذٍ أن أعلن لها عن حبِّ] الطاغي، وعنفوان عاطفتي الجياشة؛ لم يكن ذلك ممكناً، وكنت أزجر نفسي، وأنهاها أن تكشف عن لوعةٍ أو حرقةٍ، وأقنعُها أنه لا يجوز أنْ يحبَّ طالبٌ أستاذته، وخاصة إذا كان هذا الطالب من بيئة ريفية محافظة، وكانت الأستاذة من بيئة متمدنة متفتحة، ويكفي أن أخبركَ أن هذه الأستاذة كانت تملك سيارةً في ذلك الزمن، حتى تُدْرك البونَ الشاسع بيني وبينها.
وتجرَّأْتُ يوماً وكتبتُ لها رسالةً، ولستُ أذكر إلى يومنا هذا كيف وصلت إلى يديْها وقرأتْها، وشكَّتْ في صديق لي من نفس بيئتي، كان يتمتع بشيءٍ من الجرأة والحيوية، ولم تُدِرْ كلاما عن الرسالة، ولم تُجْرِ حولها عتاباً أو عقاباً!
وقنعْتُ بالستر والكتمان، واكْتويْتُ بالسر والكبرياء.
وشتت الله شمْلَنا جميعاً… حتى بلغتُ من العمر ما بلغت اليوم، وجعلني الله أتذكرها، وقررت أن أذهب إلى تطوان، وأرى ما فعل الله بها، وهل ما زالت على قيد الحياة؟
ذهبتُ.. بحثت.. سألتُ… ودلَّني أحدُهم على عنوانها…
طرقْتُ بابَها، ففتحت لي، ولم تتذكرني، فقدَّمْتُ لها نفسي، واستقبلتي في بيتها.
عرفتُ أنها لم تتزوج قطُّ، وأنَّ القطار أخذ منها العُمْر، والشباب، والجمال، والأصدقاء، وتركها وحيدةً في محطة انتظار الرحيل الأبدي.
فتحْتُ لها قلبي الذي أغلقته على حبها كل هذه السنين، تأثرتْ بما يناسب سنَّها، وسألتني بهدوء مشوبٍ بالحزن:
ـ والآن ماذا تريد؟
نعم، ماذا أريدُ؟..
وقد سألتُ نفسي هذا السؤال قبل أن أقدم على هذه الرحلة (المجنونة)، وهداني الله إلى الجواب، جواب يليق بمن كان في سنِّي، وبمن يخشى الله في سرِّه وعلانيته، وبمن كان يستحيي في شبابه، وأَوْلى في شيخوخته، فقلتُ لها:
ـ أعرف يا سيدتي أن من كان في مقامنا هذا لا يحلُّ له الزواج، وبالأحرى الحب، لكني جئتك اليوم كيْ أخطبك عند الله، وقد يمنُّ علينا بالزواج في الجنَّةِ إن شاء الله.
سكتت الأستاذة.
وأخالُ أنَّ القراء أنفسهم سوف يسكتون عند هذا الجواب، وأنا نفسي سأسكت عن أي تعليق، فمثل هذا الحب لا يوجد في الكتب، ولا في أعمال الفن، ولا عند أهل الشرق، ولا عند أهل الغرب، لكن يوجد عند هذا الرجل الفذِّ، الذي لم أره بعد ذلك!