ثلاثة أسئلة مع الكاريكاتوريست فريد صبري

يوسف بخوتة

 

 

وأعتقد أن الرسام قد يلعب دور ” المربي أو القيّم على التربية ” إذ يمكن برسوماته أن يخترق ويجتلب اهتمام فئة الطفولة إليه برسوماته المثيرة وبأشكاله الانسيابية

 

 

أولا: الفنان فريد صبري أنت رسام كاريكاتير، والكاريكاتير قضية، ما هي قضيتك الكبرى في الفن عامة؟ وفي الكاريكاتير خاص؟

بداية أود أن أستهل حديثي معكم بشكر وامتنان كبيرين لموقع القلم الأسود على هذه البادرة الطيبة . التي تتوخى تتبع فن الكاريكاتير والإحاطة بواقعه في أوساط مجتمعنا المغربي.

أما فيما يخص الأسئلة المطروحة، فأنا أعتقد جازما على أنه لا وجود لكاريكاتير بالمعنى الصحيح والعلمي للفظة بدون قضية، أو نسق إيديولوجي يدافع عنه الرسام و يذود عنه. على اعتبار أن الكاريكاتير قبل أن يكون رسمة تضم أشكالا ومساحات فنية. فهو فكرة بالأساس، بل تصور للعالم ومتناقضاته المملة. وعليه لا بد للرسام أن يكون له تموقع في إطار كل هذه التصورات. بمعناه لابد أن يتبنى هو الآخر تصوره الخاص وقضيته.

ثانيا: الأمازيغية قضيتك الأولى كما يبدو من خلال رسوماتك، كيف تدافع عنها في إطار الفن؟

وأنا باعتباري واحدا من الصيحات الكاريكاتيرية الحديثة، لابد لي أن أسايق هذه الحتمية فأتبنى قضية، وأظن أن لها من المشروعية ما يستحق الدفاع بل والفناء من أجلها. وهي القضية الأمازيغية التي تعني المغاربة وشمال إفريقيا قاطبة، إن لم نقل تعني الذات الإنسانية جمعاء التواقة منها للتحرر.

 وعليه قمت بتطويع ريشتي الفنية الطرية خدمة لهذا الرهان الإنساني بل والكوني، على اعتبار أن فكرة الدفاع عن الهوية المهضومة وعن الثقافة المسلوبة ليس حكرا على عشيرة لغوية دون الأخر. بل يتعداها إلى بعد كوني يتمثل في أن شعوب العالم بأسره مجبولة ومفطورة على الإنعتاق ونبذ الإقصاء والتهميش، لاسيما إذا ارتبط بعنصر حساس وهو المكون اللغوي الذي يجسد أعمق اللبنات التي تشكل صميم هوية الفرد في المجتمع. فما دامت اللغة ملكة بتعبير “نعوم تشومسكي” تهبها لنا الطبيعة. فكم سيكون حجم خسارتنا إذا ما تم سلب هبة السماء في الأرض؟ “

 وانطلاقا من كل هذه الاعتبارات الموضوعية ارتأيت أن لا يكف بياض الورقة ولا سوادها عن ترديد أهازيج نضالية تنتصر للأمازيغية في أرضها. وتأسيسا على كل ما سبق لا يمكن إلا أن أؤكد على أن الكاريكاتير باعتباره فنا إنسانيا يتوق إلى الجمال ويدافع عن قيم الجمال التي راكمتها الإنسانية منذ عهودها المبكرة.

ثالثا: بخطوط بسيطة يمكن أن نصنع فكرة وموقفا، هل تعتبر الفن سلاحا ضد بعض المظاهر والظواهر المجتمعية السلبية؟ وما هي حدة هذا السلاح في نظرك؟

 هو سلاح لا يبلى ولا يفنى ولا يتقادم. وهذا السلاح إذا ما تم استعماله بمرونة وذكاء من قبل الرسام، لا ريب أنه سيكون له من الأثر البالغ في الطرف الأخر ” السلطة المستبدة / المنظومة القيمية المتخلفة للمجتمع / …” فالرسام هنا لا يفاوض ولا “يسك” الكلام كما قد يفعل غيره. وإنما ” يواجه وينتفض ويحارب ويفضح ويسخر …” وغيرها من الأفعال المرة على أفواه الساسة. ولا شك كذلك أن الإنسان أو الشخص الذي سينفذ هذه ” الأفعال المرة” لا بد أن يكون مدججا بسلاح يقيه أولا، ويؤلم الطرف الآخر. ولا ريب كذلك أن الكاريكاتير باعتباره تعبيرا ينبثق من ذات إنسانية مؤطرة في المكان والزمان، بمعناه أن الرسام له مجتمع ويعايش عهدا و ظرفية تعنيه بالأساس، وبالتالي فهو يعكس تناقضات هذا المكان والزمان وينتقدها، آملا في البناء. ومفاد كل هذا أن الكاريكاتوريست يقوم من خلال فنه بمواجهة الأمراض والظواهر الاجتماعية السلبية التي تعتري مجتمع. فدوره هنا قد كاد يتماهى مع دور المحلل النفساني الذي يقوم بجس نبض المجتمع ثم يكشف عن تناقضاته وصراعاته الداخلية فيتدخل للعلاج . أما الرسام على الأقل يستفز المعني بالتدخل ” السياسيون” ليتدخلوا. وأعتقد أن الرسام بالإضافة إلى هذا الدور، قد يلعب دور ” المربي أو القيّم على التربية ” إذ يمكن برسوماته أن يخترق ويجتلب اهتمام فئة الطفولة إليه برسوماته المثيرة وبأشكاله الانسيابية. و يؤثر عليها أيما تأثير، وهو الأمر الذي تزكيه الآن مختلف الدراسات المقامة في مجال علوم التربية وعلم نفس التعلم. إذ تؤكد جملة هذه الدراسات العلمية على الأهمية البالغة للفن أو الصورة المرسومة في المجال التربوي. إذ تزيد من حافزية المتعلم ودافعيته. أكثر من أي وسيط بيداغوجي آخر.

 
وخلاصة الأمر أن للكاريكاتير رهانات قد تختلف أبعادها اجتماعية كانت أو سياسية. ولكن السمة المشتركة بين كل هذه الأبعاد، هي أن الكاريكاتوريست هو ذات إنسانية، فهو يرغب في التحرر ومناهضة الظلم. إنها ذات فاضلة وفاعلة في المجتمع .

البورتريه: (خاص)

من أعمال الفنان فريد صبري