ثلاثة أسئلة مع الصحفي الدكتور: محمد الزوهري

يوسف بخوتة

فلا عيب في التكوين الذاتي قبل أن يباشر شخص ما في إنشاء موقعا إلكترونيا يمكن أن ينشط فيه ويعبر عن مواقفه ويمارس نوعا إعلاميا.

1: الدكتور محمد الزوهري أنتم صحفي مهني ممارس صدر لكم مؤخرا كتاب ملامح الكتابة الصحفية، كيف تقدم لنا كتابك، وما هي الإضافة التي سيقدمها للمهنة والمكتبة المغربية؟

 بالنسبة لكتاب ملامح الكتابة الصحفية جاء كنتيجة أو كثمرة لبحثي في الدكتورة ويتعلق الأمر بــ: “الحضور الثقافي في الإعلام المغربي”، وقد حاولت من خلال هذا أن أبرز العلاقة بين الثقافي والإعلام من خلال محاور تتعلق بتناول المادة الإعلامية، أي العلاقة بين المادة الإعلامية والمادة الأدبية والثقافية بشكل من الأشكال،  من خلال طريقة الاشتغال والصياغة، ولاحظت أن ثمة علاقة بين ما هو إعلامي وما هو أدبي في ما يسمى بالأجناس الصحفية الكبيرة والثابتة، ويتعلق الأمر بالروبورتاج والقصة الخبرية والتحقيق الصحفي ومقالات الرأي.

 إذن هاته الأجناس يحضر فيها الجاني الأدبي والثقافي بشكل واضح، عكس الأجناس الصحفية الأخرى ذات الطبيعة الإستعجالية، كالخبر والبورترية والفلاش الصحفي أو ما شابه ذلك. بمعنى كلما انتقالنا في المجال الصحفي من الكتابة الراقية إلى الكتابة الإستعجالية كلما قل الجانب المعرفي والأدبي في الكتابة الصحفية.

إذن باختصار هذا الكتاب يتناول العلاقة بين الإعلامي والثقافي من خلال أوجه عديدة. يتعلق بكيفية الاشتغال، ثم طريقة الصياغة، ثم أثر المادة الإعلامية والثقافية الموسومة بالجاني الإعلامي لدى المتلقي.

   أما عن الإضافة التي يمكن أن يضيف  للمكتبة المغربية، فيلاحظ أن المراجع ذات الصبغة الإعلامية شحيحة بالمكتبات المغربية، ووقفت على ذلك بشكل ملموس من خلال أبحاثي والأبحاث التي ينجزها الطلبة المهتمين بالشأن الإعلامي، سواء في شعبة العلوم والتواصل -التي أتشرف بتقديم دروس للطلبة بها- أو من خلال الطلبة الذين يشتغلون على المجال الإعلامي بشعب ومعاهد أخرى، فيلاحظ أن الطلبة يجدون صعوبة كبيرة في الولوج إلى المعلومة المتعلقة بالجانب الإعلامي، يعني هناك فقر كبير في مجال التأليف على المستوى الإعلامي، باستثناء قلة من المراجع، لذلك أعتقد أننا في حاجة إلى المزيد من البحث والتأليف في هذا المجال حتى تتعزز المكتبة المغربية بمؤلفات لها صبغة إعلامية يجد فيها الطلبة مبتغاهم، وأيضا يمكنها أن تجعلنا أمام حقيقة الإعلام الثقافي خاصة ببلادنا الذي يشكو من  ركود كبير.

المؤلف كما قلت يحاول أن يلامس هذه العلاقة بين الإعلامي والثقافي من خلال مصوغات تتجلى أسئلة كبرى: أين يتجلى الحضور الثقافي من الإعلام المغربي؟ وهل هناك علاقة بين الأدب والإعلام؟ خاصة وأن هناك اتهامات مباشرة توجه للإعلام بأنه عدو الثقافة والأدب،  لأن الذي يشتغل في الإعلام ربما يهمل الكثير الجوانب الثقافية والأدبية.

ولذلك حاولت أن أرفع هذا اللبس من خلال إبراز أن هناك فعلا توجها عاما في الصحافة لتبخيس الجانب الأدبي والثقافي في الإعلام، لأننا أمام موجات الإثارة والبحث عن كل ما هو مستعجل، فتختفي أثر الثقافة، ولكن عموما الحضور الثقافي مرتبط بشخصية الصحفي، إذا كان الصحفي له رؤية ثقافية ومتشبع بحمولة ثقافية وأدبية، لابد وأن يجسد ذلك من خلال مقالته  ومن خلال قصاصته الإخبارية وكذا مقالات الرأي، أما إذا لم يكن كذلك، لا أعتقد أن هذا الصحفي قادر على أن يبرز هذا الجانب، ثم هناك مسألة أساسية لابد من التأكيد عليها أن هناك من يصف الإعلام على أنه أدب مستعجل، لماذا؟ لأن بالنسبة للمقالات التي تكتب يوميا في الصحف – من طبيعة الحال- غالبيتها ترتبط بالجانب التفكيري وليست منطلقة من فراغ، لذلك أعتقد أن الصحفي الناجح  والصحفية أو وسيلة الإعلام الناجحة، هي التي تحترم قواعد اللغة وتحترم القيم الثقافية والأدبية الراقية.

2: نتحدث عن الكتابة الصحفية، كممارس كيف تقيمها في بلادنا؟ وما هي ظروف ممارستها داخل المؤسسات الإعلامية؟

 هذا السؤال يحيل مباشرة على واقع الإعلام ببلادنا، من طبيعة الحال واقع الإعلام في بلادنا يشكو من اختلالات جوهرية، مرتبطة بتنظيم هذا المجال.

أولا بالنسبة لقانون الصحافة والنشر الذي صودق عليه مؤخرا، فهو يحمل مكتسبات عدة، منها: أنه يفتح مجال واسع  لحرية الصحافة والتعبير والنشر، كما أنه يمنع  محاكمات الصحفي والعقوبات السالبة للحرية. و يجعل ممارسة الصحافة مفتوحة في وجه الجميع، وإلى غير ذلك من المكتسبات المهمة. لكن يؤخذ أيضا على هذا القانون بعض المؤاخذات أو لنقل بعض السلبيات، من بينها أنه حدد خطوط حمراء، كعدم المس بالمقدسات، ولم يحدد بدقة هذه المقدسات، ثم أنه فتح باب محاكمة الصحفي، وخاصة في ما يتعلق بالمس بالمقدسات، وبقانون الإرهاب وما إلى ذلك، وقد لاحظنا مؤخرا محاكمة بعض الصحفيين: (المهداوي، علي أوزلا، رشيد نيني…) الذين حوكموا جنائيا، إما بتهم المس بأمن الدولة أو بدواعي الإرهاب وما إلى ذلك. وبالتالي القانون غير واضح  بشكل صريح في هذا الجانب، ثم أيضا فمن السلبيات التي حملها قانون الصحافة والنشر، أنه قيد حرية الصحافة ببعض الضوابط التي لا تتماشى مع هذه الحرية، ومنها مثلا ما نص عليه وزير الاتصال مؤخرا من ضبط عملية الملاءمة في المواقع الالكترونية بالحصول على شهادة الإجازة وبطاقة الصحافة، الشيء الذي لا يتوفر في الكثير من أصحاب المواقع الموجودة حاليا، مما اعتبره الكثير تضيقا على الممارسات المهنية.

عموما بالنسبة للممارسة الصحفية بالمغرب مطبوعة بكثير من الغموض إلى حد ما، لكن هناك هامش من الحرية خاصة في ما يتعلق بالصحافة المكتوبة، وذلك بصدور العديد من الصحف بحرية مطلقة، وعدم التقيد بأن يكون مدير النشر مهني، فأصبح الكثير من الأشخاص يترأسون صحفا، وليس من الضروري أن يكونوا ممتهنيين للصحافة، بل المسألة فيها حرية، ثم إن هناك مواقع إلكترونية منتشرة بكثرة قبل أن يتم قرار الملاءمة بطبيعة الحال، ثم أن هناك حرية في إحداث قنوات تلفزيونية وإذاعية، بالرغم من  أن هناك تشديد في مسألة إنشاء قناة تلفزيونية، بداعي غياب السيولة المالية للمؤسسات التي تريد إحداث قنوات تلفزيونية، وهذا أمر فيه نقاش، فإذا كان نظام التحرير السمعي البصري قد بدأ جيدا مع الإذاعات الخاصة، فهو ليس كذلك بالنسبة للقنوات التلفزيونية  بالدواعي التي أشرت لها، وهذا أمر فيه نقاش كما قلت، فإذا هناك قطاع تحرير السمعي البصري فليشمل كل الأصناف من إذاعة وتلفزيون.

وليبقى الرهان على أن يكون هناك هامشا أكبر للحرية في وسائل الإعلام المغربية، والطريق إلى ذلك يجب أن يكون عبر مؤسسات خاصة ترعى هذا الجانب، بدل أن تكون مؤسسات الدولة هي المشرفة على هذا القطاع، لأن إعطاء صلاحية الأشراف للقطاع الخاص والمؤسسات المدنية، هو الرهان الأساسي لتطوير الإعلام ببلادنا. أما أن تشرف الدولة بمؤسساتها وقطاعاتها على الإعلام، فلا أعتقد أنه سيعطي نتيجة، والدليل هو القنوات التلفزيونية العمومية لازالت تحت هيمنة الدولة، الشيء الذي لا يسمح بتطوير الشأن الإعلامي ببلادنا، ويجعل المواطن غير مقتنع وينفر من كل ما يبثه الإعلام العمومي، ولا يثق بما يقدمه في يومياته.

3: انتشر في السنوات الأخيرة موضة المواقع الاخبارية على الانترنيت، و أصبح ما يشبه الفوضى الإعلامية، ما نظرتك لهذا المجال؟ وما السبيل إلى تقنينه وضبطه مهنيا وأخلاقيا؟

 صحيح، فكما أشرت سالفا أنه هناك (فوضى) في إنشاء المواقع الالكترونية، فأصبح أي واحد كيفما كانت وضعيته ومستواه الثقافي أن يقدم بين عشية وضحاها على إنشاء موقع إلكتروني ويصبح (صحفيا)  ويدعي ذلك، بدون أن تتوفر فيه شروط التكوين ولا شروط المهنة، ولا المقومات الأخلاقية إلى غير ذلك، وهذا أمر معيب جدا، وبالتالي ربما تنبهت الفعاليات المدنية والسياسية وحتى الرسمية بطبيعة الحال لهذا الأمر، فكان هناك مؤخرا قرار  ضرورة ملاءمة أمر إنشاء المواقع الإليكرونية مع قانون الصحافة والنشر، ولذلك ارتأت الدولة في شخص وزير الاتصال أن يتم تقييد إنشاء المواقع بتوفر شرطين أساسيين،وهما أن يكون المعني بالأمر (صاحب الموقع) يتوفر شهادة جامعية تبرز مستواه الثقافي، وهي شهادة الإجازة على الأقل، وكذا توفره على البطاقة المهنية (الصحافة). لكن هاذين الشرطين أثير حولهما نقاش كبير  بخصوص عدم توفر العديد من المهنيين وذو الكفاءة المهنية على بطاقة الصحافة، فكيف يعقل أن شخص يريد إنشاء موقع وله بطاقة مهنية؟  ربما هذا أمر فيه نوع من الغموض، والذي أثار نقاشا كبيرا كما قلت.

لذلك أعتقد أن الدولة قبل أن تصدر هذا القرار، كان عليها أولا مراعاة هذا الجانب وتيسر ظروف الاشتغال، وإنشاء مواقع بطريقة تسمح للمهنيين بالاشتغال جيدا بهذا القطاع. ثم أيضا كان بإمكان الدولة أن تصدر قرارات أصحاب المواقع الالكترونية بالتقيد بأخلاقيات المهنة، وتمارس الزجر في حق المخالفين لهذا القانون وهذه الأخلاقيات، وبطبيعة الحالة الدولة لها من الإمكانيات والطرق ما يمكنها التحكم في هذا القطاع عن طريق اللجوء إلى القانون والقضاء.

 أما أن  تمنع المواقع  بداعي عدم ملاءمتها مع قانون الصحافة والنشر وتضع شروطا تعجيزية، هذا أمر في نظري فيه اختلال. لذلك مطلوب من الجهات الرسمية إن  أرادت تقنين القطاع. فيجب أن تضع شروطا ملائمة وتراعي الجانب المهني والثقافي لدا ممارسي الصحافة الرقمية، ثم أن تلجأ إلى الحلول القانونية والقضائية ضد كل من أجل بالتزامات وأخلاقيات المهنة.

التقديرات حاليا تشير إلى حوالي 5000 موقع على امتداد التراب الوطني، وأعتقد أن من هذه 5000 موقع، هناك قلة قليلة منها هي التي تمارس الصحافة بشكل مهني وبشكل واضح وقانوني، بينما المواقع الأخرى هي فقط إما لملأ الفراغ الظاهر في الساحة الإعلامية في بعض المدن والأقاليم، أو مواقع أنشأها أصحابها بداعي الهواية والميول، وهناك مواقع أخرى أنشأها أشخاص لأعراض في نفس يعقوب ويتعلق الأمر بالابتزاز والارتزاق. لكن أعتقد أن هذه المسألة إنشاء المواقع الإلكترونية، هي مسالة صحية تتماشى مع الرغبة في توسيع هامش الحرية،والتعبير بوضوح عن انشغالاتهم.

 ويمكن فيما بعد أن تتحول صفحات التواصل الاجتماعي، صفحات حرة في وجه الجميع لتمارس الصحافة والإعلام، وأنتم تعلمون كيف أصبح  بعض الحسابات الشخصية في الفيسبوك مجالات للإخبار والتعبير عن مواقف وآراء بحرية كبيرة، ولذلك لم يعد في مغرب اليوم الحديث عن تقيد حرية الصحافة والنشر ما دام أن هناك أبواب النشر والتعبير عن الرأي مفتوحة في وجه الجميع، فقط ينبغي على الدولة أن تقنن هذا القطاع تماشيا مع روح القضاء وروح القانون، وأيضا على المواطنين أن يتقيدوا بما يلزم بأخلاقيات المهنة، وأن يتكونوا لما لا، لأنه هناك حاليا مؤسسات للتكوين لمن أراد أن يشتغل في هذا المجال، سواء أن ينخرط في المعاهد المختصة، أو يتكون عن بعد لان الآن أصبحت الإمكانية متاحة.  إذن فلا عيب في التكوين الذاتي قبل أن يباشر شخص ما في إنشاء موقعا إلكترونيا يمكن أن ينشط فيه ويعبر عن مواقفه ويمارس نوعا إعلاميا.