كتاب: دروب مورسيا الضيقة (22)

يوسف بخوتة

 

يوميات شخص يسكن حلمه

شريط مشروخ من الذكريات ومشاهد الذل

 

الحافلة ستنطلق بعد ربع ساعة من الآن، أجلس على كرسي الانتظار بباحة المحطة، مسافرون من كل الأجناس يهرولون مسرعين إلى الشبابيك وإلى الحافلات.. محطة في كامل زينتها ونظامها، شخص واحد ساهر على تنظيمها، وكل العابرين على الأرصفة، ليس هناك راكب واحد في أرضية المحطة المخططة والمرقمة، إنه النظام والانتظام .كل ما يلفت الانتباه هو تلك الأفواج من الوجوه المغاربية التي تشد الرحال نحو الشمال وكأنها في يوم الحشر، و ما كان مني إلا أن أنحشر بينهم في اتجاه هذا الشمال…

لن أشرب اليوم القهوة كما تعودت، في جيبي الآن 100 أورو فقط، أديت ثمن التذكرة أمس وبقيت 100 أورو، وأمامي هناك بالديار الفرنسية أكثر من يوم مجهول، أعرف جيدا ماذا سيقع حين سأعود، لكن هي مغامرة أخرى يجب أن تبدأ…

 

انطلقت الحافلة أخيرا، زمجرت وتحركت بمهل وكأنها لا يريد أن تؤدي هذا القطيع الذي يمتطيها يشد الرحال صوب المجهول، انطلقت عائدة إلى محطتها الأخيرة  هناك بأفينيون الفرنسية التي كنت قد غادرتها قبل شهرين من الآن. كان الجو بداية الصيف ونهاية ماي، وكانت الحافلة ممتلئة عن أخرها، فموسم الهجرة إلى الشمال بدأ بأفضع وجه، وحقول التعب بالجنوب الفرنسي تنادي بأعلى وحشتها، على ما يبدو كل الناس تركوا بلاد الأحلام والصخب بعد الأزمة الخانقة التي ضربتها على حين غرة، ويتجهون محملين بحقائب صغير متأهبين لكل طارئ قد يواجههم في هذا الطريق الموحش.

يتجهون إلى مدن فرنسا الجنوبية حيث حقول التفاح، الإجاص، الخوخ، المشمش، الخص، القرع وإلى غير ذلك من حقول الذل والتعب.

الساعة تشير إلى السابعة والنصف، ونحن في بوابة المحطة، وضعت سماعة الهاتف في أذني وتحسست جيبي وانطلق شريط ذكرياتي بالدوران كدوران عجلات الحافلة وهي تشق الطريق وأحلامنا الممددة على عاتقنا كجثة مقتولة لم تجد قبرا يأويها بعد. كنت أعرف ماذا ينتظرني هناك بـ Cavaillon   في ذاك الحي القديم  حيث أتيت،  من أيام أخرى تحسب بالعذاب النفسي والانتظار.. وكم أكره أنا الانتظار؟ !

انطلق شريط الذكريات يحدث صدى مزعجا في ذاكرتي المثقلة، ذكريات رحلتي هذه التي لم أخرج منها بعد، والتي استغرقت ما يقرب عن الشهرين، ذكريات هي مشاهد البؤس والذل والحاجة والنخاسة. كنت واحد من هؤلاء الحثالة أكيد، ودخلت هذه السوق مكرها لا بطلا، حيث اشتريت بمال نفسا آدمية لقضاء مصلحتي الخاصة ما أحقرني !  عاد بي ضميري إلى السؤال وشريط الذكريات يدور محدثا نفس الصدى: لماذا لم نقطع بعد مع الرقيق؟ لماذا يتم استعباد الناس بالمال؟ لماذا يلجأ المرء أ ن يشتري نفسا آدمية لغاية ما؟ ومهما كانت هذه الغاية التي تستعبد فيها الناس؟ ما هذه الحقارة التي نعيشها نحن الإنسان؟

فإذا كان الغجر يبعون أسماءهم للعابرين والسائلين ليضعوها في عقودهم يوهمون السلطات بالحقيقة لتمكنهم من بطائق الهوية، فكيف يسمح المرء لنفسه بشراء الذمم واستعباد الخلق؟ وكيف يبيع البعض جسده في الحقول والدروب للذل والتعب؟ قوانين العمل بأسبانيا لا زالت جائرة، وقوانين الدروب لا زالت جائرة.

في تلك الدروب أكتملت الحكاية، في تلك الدروب عرفت لماذا هذا العالم قذر بهذا الشكل؟ مشاهد الذل كانت تتكرر أمامي كل يوم، مشاهد التعب والحزن والموت البطيئ على أسوار وهوامش المدن، مشاهد من وراء الدروب الخلفية للمدن الصاخبة حيث الغرف الضيقة والنفوس الخانقة، والصور الحارقة.

انهار الاقتصاد الإسباني فجأة، وأعلنت الدولة عن الأزمة الاقتصادية بدءا من عام 2007، وأعلنت معها عن الأزمة الاجتماعية والأزمة الأخلاقية وكل الأزمات التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالاقتصاد. فسرحت المعامل والورشات والضيعات الآلاف من العمال من دول الجنوب، شمال إفريقيا، جنوب الصحراء، أمريكا اللاتينية ودول شرق آسيا، تشتت معها الكل على المجهول، وهربت أفواجا من البؤساء إلى أماكن بديلة. في حين فضلت أجساد أخرى مغلوبة على أمرها البقاء وراء أسوار المدن الصاخبة، وعلى هوامش الحياة العامة. هم غالبا إما  في وضعية غير قانونية، أو وضعية هشة، قرروا البقاء في مواجهة وحش الأزمة وجها لوجه في صراع مرير من أجل الوجود.

في مقابل ذلك أجتاحت أفواجا من المغاربة وكل الأجناس الأخرى فرنسا قصد العمل من أجل لقمة العيش استحالت في بلاد الأزمة، واضطر من كان يمتلك منازلا بالقروض إلى التخلي عنها للمؤسسات الدائنة، لعجزه عن الأداء المنتظم، فسرحت العديد من العائلات نحو بلدانهم الأصلية، وتشتت الأسر على الدول المجاورة رجالا ونساء، وحدهم الأطفال الذي بقوا في وضعية صعبة للغاية،  إذ وصل بالبعض إلى الطلاق والتفكك الأسري بعد حياة الترف والرخاء التي كانت إلى وقت قريب بإسبانيا الصخب، إسبانيا الحالمة.

هذه الظاهرة ستعطي في وقت وجيز جيوشا من العاطلين والعارضين أجسادهم للتعب، الذل والمتعة.

يتبع…

  

… أخدت حقيبتي الصغيرة بها هويتي وأحلامي وتهت وسط الزحام، وركبت القطار المحلي وقصدت المدينة أتسكع قليلا أو كثيرا، الكل سواء، ولي متسع من الوقت أبدده كيفما أشاء أكسر به انتظاري في هذه البقعة من الأرض.. قصدت مورسيا ..

مورسيا هذه مدينة فلاحية قصدها الناس من كل حدب وصوب قصد تغير نمط العيش لديها إلى الأفضل والأحســن ، وقصدتها أنا ابحث عن بطاقة هوية أقي بها شر النظرات الاحتقارية وشطط البوليس في التنكيل بالسريين..