زخات الحنين

سلمى الغزاوي
سلمى الغزاوي
 
يباغتني طيفك، في أزقة الذاكرة الكيدية، فأجدني أعلن انهزامي أمام جحافل الاشتياق إليك، وأغرق رويدا رويدا في بحر الحنين ذي الأمواج المتلاطمة، ذاك الحنين الهادر لدقات القلب غير القابلة للتجديد..
تباغتني صورك، المحفوظة بعناية داخل أرشيف قلبي، فأرفع رايتي البيضاء أمام سحرك وذكرى غوايتك، وأفتح بابي لنيران الحنين الذي ليس له سوى الذكريات كرصيد..
يباغتني صوتك، في زحمة الأصوات، وضجيج الأحياء، وفي سكون الليل، وبين حطام الحب ورفات الأحلام، فأودع النوم وأرحب بالحنين القادم إلى عيادة التناسي بلا مواعيد..
تباغتني عيناك، اللتان جمعتا فتنة العالم بأسره، فأضيع في متاهات غموضهما، وينتهي بي المطاف رهينة سجن الحنين الذي أفرج عن كل سجنائه، وتركني لوحدي، مكبلة بأغلال حزن الفقد الشديد..
يباغتني عشقك، وأنا أتجول في شارع الحب المُحتمل، فأقرر العودة إلى مرفأ غرامك، وأدع الحنين إليك يجعل من قلبي مركز زلزاله، وأسلم بالحقيقة التي تهمس لي: إنه حبيبك الوحيد..
تباغتني نظراتك، كلما اخترقتني نظراتهم، فأخجل من نفسي ومن ذكراك، وأركض لأرتدي ثوب الحنين الحارق، وأعود إلى معبد هواك من جديد..
يباغتني اسمك، في كل مرة أخط فيها اسمي، فأتذكر أن حروف اسمينا تتشابه، رغم أن قلبينا يشبهان طريقين متقاطعين، يستحيل أن يدبر الحنين لقاءهما، في زمن الوفاء الفقيد..
تباغتني ضحكتك، وأنا أسمع ضحكاتهم، فأبتسم وأنا أحاول فك لغز ثغرك الساحر، ويتسرب إلي ذاك الحنين الذي تناهضه طوائف الذاكرة، والقلب له مُريد..
يباغتني حضورك، في كل نصوصي، وبين هلوساتي العشقية، وفي ملفاتي السرية، فأشرع نوافذي لزخات الحنين الذي يبللني وتعصف بي رياحه كما يعصف البحر بالمركب الشريد..
تباغتني همساتك، بين همسة وهمسة، فأغادر جلبتهم وأترك الحنين يسحبني إلى عمق بئر حبك الذي يذبحني بحبال الشوق إليك من الوريد إلى الوريد..
يباغتني وهمك، في رحلة ضياعي بحثا عن حقيقة عشقك لي، فأوقف رحلتي وأهيم على وجهي في أرخبيل الحنين الذي يحفر في قلبي بمعاوله الحادة أوجاعا متسعة كما الأخاديد..
تباغتني وعودك، كلما حدثوني عنك وعن حبك القديم- الجديد، فأحاول تصفية حسابات ذاكرة نبضي لك، لكن الحنين القاتل يتسلل إلي خلسة ويؤكد لي أنني مهما حاولت، فلن أطرد شبح عشقك التليد..
يباغتني عطرك، وأنا أبحث بيأس عن عطر يأخذ مكانه و يحتل حواسي، فيفاجئني ذاك الحنين الذي يشعل مدفأة أحاسيسي تجاهك بحطب المكائد الخفية، فأستسلم لاشتعالي وأقول للحنين: هل من مزيد؟..
تباغتني كلماتك، في كل مرة يهديني أحدهم قصيدة، فيتربص بي الحنين إليك، وأتذكر كلماتك المعسولة وحروفك البراقة، وأكتشف أنك في حياتي كنت بيت القصيد..
يا سيدي الغائب- الحاضر، تباغتني ذكراك في كل مكان، لكن، أما آن الأوان ليباغتني النسيان؟