كتاب: دروب مورسيا الضيقة (23)

يوسف بخوتة

يوميات شخص يسكن حلمه

دروب مورسيا الضيقة

على المرء أن يتيه أحيانا.. أن يتيه بين المدن والحواري والدول.. يتيه بين الدروب والشوارع والأزقة.. فبين درب ودرب هناك قصة أو حكاية، ولا تضن أن تلك الوجوه ديكورا يزين جولتك وسط الدروب، بل لكل وجه حكاية، ولكل حكاية صورة، ولكل صورة ألم..

.. أخذت حقيبتي الصغيرة بها هويتي وأحلامي وتهت وسط الزحام، وركبت القطار المحلي وقصدت المدينة أتسكع قليلا أو كثيرا، الكل سواء.. لي متسع من الوقت أبدده كيفما أشاء، أكسر به إنتظاري في هذه البقعة من الأرض.. قصدت مورسيا ..

مورسيا هذه مدينة فلاحية قصدها الناس من كل حدب وصوب قصد تغير نمط العيش لديهم إلى الأفضل والأحسن، وقصدتها أنا أبحث عن بطاقة هوية أقي بها  نفسي شر النظرات الإحتقارية وشطط البوليس في التنكيل بالسريين..

مورسيا مدينة تحتضن بين دروبها وشوارعها عالم مصغر، كل الناس ومن كل بقاع العالم أتوها قاصدين الأحسن، لكن بعدما ضرب إسبانيا زلزال الأزمة  الاقتصادية تبعثرت أوراق حياتهم وأصبحوا يعيشون المجهول والخوف والضياع… وأصبحت أعيش معهم صور الحزن والبؤس والمعاناة. في وجوههم قرأ كل شيء، ظروف عيشهم، حكايتهم مع النزوح واحتياجاتهم لكي يبدون كإنسان في بلد يجب أن ترتدي هيئة البغال كي يحيا كإنسان.

تراهم تائهين بين الوجوه البئيسة،  أناس ليسوا من بني جلدتهم يبحثون عن الأمل وسط الألم لكن بدون جدوى.. غجر، أسيويون، أفارقة، عرب  شمال إفريقيا، لاتينيون وأوربيون من المشرق.  كلهم بمورسيا يحاولون العيش إن ما استطاعوا إليه سبيلا…

انحشرت وسط المارة وأكملت طريق التيه، أتبع قدمي فقط، لا وجهة محددة لي، ولا بوصلة تحدد مساري.. أكملت الطريق ولست عارفا بدروب المدينة، أنا فيها من أجل تسوية وضعيتي فقط.. قادني القدر إلى أزقة ضيقة تكاد تكون مظلمة بالنهار، يحتل السواد جزاء كبيرا منها..

 أكملت الطريق إلى ما لا نهاية ولا هدف.. وإذا الصورة تزداد سوادا إلى أن أصبحت حالكة.. في مدخل بوابات العمارات أسمع قهقهات.. أصوات أعرفها جيدا..

أكمل الطريق،  ألمح نسوة، أزيد من خطواتي إذا بالنسوة شابات في  عمر الزهور، متفتحات كالورد.. أدقق النظر والسمع وإذا بهن بنات جلدتي.. مغربيات باللكنة والسحنة.. أمر بمحادتهن فتناديني إحداهن وتدعوني إلى  المتعة.. تلوي لسانها بكلمات محفوظة لديها.. تدعوني إلى المتعة وقضاء وقت جميل..  وأي جمال هذا الذي يمنحه الذل؟

 وجه كل واحدة منهن تحكي حكاية الهروب من الجحيم (الوطن).. مختلطات الأصل والعرق يجتمعن في صورة المغرب المخدوشة خارج الوطن.. شابات بنصف لباس يدعونك إلى السعادة بين أفخاذهن، لكنها سعادة بطعم العلقم.. فكم من شمعة تحترق لتعطيك ضوء وسعادة ووقت جميل؟ لكن على حسابها للأسف؟

 هاته هي صورة هؤلاء النسوة التي قطعن البحر حالمات بفجر جديد.. نسوة قادهن الحلم والعوز ركوب الأمواج يوما.. وقادتهن الأزمة ليركبن مبتاعي النشوة العابرة.. نسوة يتقنصن عابري السبيل والمفلسين وخونة الدار.. نسوة لكل واحدة منهن حكاية مع الألم والذل..

يقول مثل  في الثقافة الشعبية لدينا ” اللي ما جال ما عرف حق الرجال” لكن في دروب مورسيا الضيقة وبقية الدروب ببلاد الغير  يصير المثل لي ما جال ما يعرف حق الذل.. الكل هنا بأسبانيا وهذه المدينة بالتحديد قابل للبيع، بكل العملات ولكل الجنسيات. لكن بما أن فاقد الشيء لا  يعطيه، فما بقي عند المغربيات البئيسات إلا لحمهن يبعنه نيئا لعابري السبيل وخونة الدار والمفلسين، يبعنه بالتقسيط إلى أن تذبل ورودهن واحدة واحدة  ويعدن بدون طعم أو رائحة..

ما أصعب أن يعيش  المرء من بيع كرامته، فلا أكل مالها الحرام يحلو، ولا الضمير هو هنيء في لحظة  الخلود إلى الذات.. ففي دروب مورسيا الضيقة قد تعيش حكاية وطن تباع وروده بالتقسيط.. وتنظر بحسرة إلى صورة المغرب المخدوشة.

يتبع…

في إسبانيا البئيسات هن البئيسات.. بؤس مقام للخاسرة.. البئيسات هن البئيسات.. صور حسنٍ وجمال في الذاكرة.. البئيسات هن البئيسات.. حزن دفين في قلب يحترق.. فهنا الجمال ضحين به من أجل المال، والكرامة ذهبت مع أول سقطة سقط فيها الاقتصاد الإسباني، وأصبحت المرأة المغربية بين مطرقة الأزمة الاقتصادية وسندان الرجوع إلى أرض الوطن، فتريثت قليلا حتى تتضح الرؤية، ويا ليتها لم تتضح، لكن باتضاحها كان لزاما عليها أن تعمل بجسدها وجمالها كي تعيش وترسل الحولات كل شهر إلى من تركتهم ينتظرون عطفها، ولو على حساب جسدها المنهوك من كثرة القذارة..