الآخر هو أنا و ليس أنا

محمد بوجيدة

 

   تطرق فريدريك هيغل لعدة مفاهيم فلسفية، و احتل مفهوم الآخر الصدارة في تصوراته، باعتباره كل شخص يختلف عنا في أمر ما، سواء في الفكر أو السلوك أو البلد أو حتى فريق كرة القدم المفضل…. الآخر هو أنا وليس أنا،  لذا من الواجب تقبله والتعايش معه و الاندماج في ثقافته واحترام رأيه، ومن الواجب أيضا ألا ننساق وراء الخلافات التي يحدثها البشر بسبب العلاقة المعقدة بين الأنا والآخر والتي تعيق تقدمنا. و بالتالي سنكتشف بأن العالم أصغر مما نتوقع وأننا نتشابه جداً.

   نحن قاطني بلد يعتبر من بلدان العالم الثالث نعيش غربة حقيقية، حيث اقصاء دور العلم في تنوير الشعوب، و أصبح المرِء يفر من أخيه و بنيه  وصاحبته… إلى عالم افتراضي حتما سيقضي على حركية هذه الأمة، التي  تتعرض لغزو مستمر لثقافات متنوعة قلبت حياتنا رأسا على عقب، حيث أصبح الوهم حقيقة والحقيقة وهم. أصبحنا غرباء نجهل بعضنا البعض في غابة موحشة، الغلبة للقوي، لا نحتكم إلى ثقافتنا أو أخلاقنا لحل الخلافات.

 تحولت حياتنا إلى حلبة صراع بين الآنا والآخر من أجل الحصول على موطئ قدم تحت الشمس. يقول هيغل: “إن وجود الآخر بالنسبة للأنا يتم بواسطة الصراع من أجل الحياة والموت”.. فلم يعد أحدا يتقبل كلام أخيه الإنسان  ولو فيه الخير، والسبب هو عدم تقبل  هذا الآخر، بالرغم من أن تشكلنا لا يتم في معزل عن الآخر، و وجود الآخر والعلاقة معه شرط ضروري لبناء الذات، إلا أن الغرائز العدوانية الحيوانية تدفعنا لمحاربة الآخر متعصبين لرأينا لا نقبل الرأي المختلف عنا حتى و إن كان هذا الأخير أعمق منا فكراً، و أكثر منا نفعاً. يتكلم الكبير فينا فننعته بالجاهل، ويتكلم الصغير فنصفه ب” البرهوش” و يحاول المثقف توعيتنا فنسخر منه، ينادي خطيب الجمعة الناس بأعلى صوته و يعضهم، سرعان ما يتبخر كلامه كبخار الماء.

قال جدي: “ما كيحب حد يكون اقل من الآخر” صدقت يا جدي و رحمك الله، فما دام الكائن البشري يتحدد موضوعيا مع الآخر، فمن المفروض على الأنا أن تدعم الآخر حتى ينجح لا أن تحاربه حتى يفشل. والخطأ الكبير هو تمادي البعض في خطئهم، وعدم تقبلهم لرأي الآخر المختلف، والإصرار على حب الذات، و الجدال بالباطل في أمور هي بعيدة عنهم كبعد السماء عن الأرض. صغار النفوس هم الذين يبحثون عن الأعذار والأوهام لمحاولة هزم الآخر، كي يُخفوا خطأهم، و يُداروا عيوبهم، فيستمرون في خطئهم الذي بدؤوه، و هم بذلك قد أضروا أنفسهم قبل أن يضروا غيرهم. و هؤلاء أشبههم بابليس، النموذج المُخطئ و الصورة السيئة، فربه قد أمره بالسجود فأبى. أما كبار النفوس أشبههم بالنموذج المصيب و هو آدم الذي سارع إلى المطالبة بالعفو والمغفرة….  “قَال ربنا ظلمنا أنفسنا و ان لم تغفر لنا و ترحمنا لنكونن من الخاسرين” الأعراف- 23.

كبار النفوس إذن يوقنون بأن الإنسان بشر، و البشر قد يجتهد و مهما كان اجتهاده للوصول إلى القرار الصحيح، فإن احتمالات الخطأ وارده، و لابد من تداركها، و لن يكون هذا إلا بالاعتراف بالخطأ و تصحيحه لتشييد علاقة متينة بين الأنا والآخر مبنية على التعاون و التفاهم. و هنا أتذكر قولة رجل تركي التقيته يوما، قال:” نحن التركيون نساعد و ندعم بعضنا البعض، حيث يعمل الغني على مساعدة الفقير ماديا لبناء مشروع خاص به و يدعمه حتى ينجح…” هكذا حدثني والله أعلم.

   الاختلاف بين البشر هو تكامل في حد ذاته و توازن بين تقبّل الآخر والاختلاف عنه. أما الرفض العنيف لمواقف الآخرين دليل على العناد المتحجّر والوقاحة المتكبرة و غياب نوع من التفكير النقدي.