كتاب: دروب مورسيا الضيقة (24)

يوسف بخوتة

 

يوميات شخص يسكن حلمه

البئيسات هن البئيسات

يقول الشاعر الراحل محمود درويش:

الجميلات هنَّ الجميلاتُ..

نقش الكمنجات في الخاصرة..

الجميلات هنَّ الضعيفاتُ..

عرشٌ طفيفٌ بلا ذاكرة..

الجميلات هنَّ القوياتُ..

يأسٌ يضيء ولا يحترق…

رحمك الله  الشاعر محمود درويش، رغم أن الكلام يسبب لي حرقة وأنا أرى نساء بلدي في بلاد الغير عرضة للضياع والإهانة واللعب على كرامتهن، فهن لا يرون في شعرك هذا أي نوع من الإحساس إلا الحزن والكرب، يرونه جافا وضربا من الخيال، فكيف لا وهن الكادحات في حقول الفراولة والبطاطا، ومعامل الذل والعار؟ هذا إن كان العمل شريفا، لكن وما أغلبهن في عمل الوقاحة والرذيلة، فهناك الراقصات والنادلات وحتى بنات الليل اللائي بضيق ذات اليد، وارتفاع نسبة العوز والبطالة في هذه البقاع امتهن أقدم مهنة في التاريخ، فهناك من امتهنتها مجبرة وهناك من أتت من البلد وهي تعرف قواعد اللعبة.

ففي إسبانيا

البئيسات هن البئيسات..

بؤس مقام للخاسرة..

البئيسات هن البئيسات..

صور حسنٍ وجمال في الذاكرة..

البئيسات هن البئيسات..

حزن دفين في قلب يحترق…

فهنا الجمال ضحين به من أجل المال، والكرامة ذهبت مع أول سقطة سقط فيها الاقتصاد الإسباني، وأصبحت المرأة المغربية بين مطرقة الأزمة الاقتصادية وسندان الرجوع إلى أرض الوطن، فتريثت قليلا حتى تتضح الرؤية، ويا ليتها لم تتضح، لكن باتضاحها كان لزاما عليها أن تعمل بجسدها وجمالها كي تعيش وترسل الحولات كل شهر إلى من تركتهم ينتظرون عطفها، ولو على حساب جسدها المنهوك من كثرة القذارة.

البئيسات هن البئيسات..

لحن الكمنجات في العاشرة..

البئيسات هن البئيسات..

ربط المنديل على الخاصرة..

البئيسات هن البئيسات..

شمع يضيئ ويحترق…

هذا ما هو عليه البئيسة في هذه البقعة من الأرض، رقص على الشعبي ومبيت مع الشعبي، وهي تعرف أن لا بيت لها ولا الشعبي ولا حلاوة الرقص يوما في السعادة، محكوم عليها بالبؤس لأنها اختارت وطنا غير وطنها، ولأنها تحمل جرحا من وطنها. تاهت بين الإختيار، فكان الحلم كابوسا على نغمات الحزن في ديار الغربة والبؤس.

البئيسات هن البئيسات..

ربط الحذاء في السادسة..

البئيسات هن البئيسات..

دمع يسيل من العيون اليائسة..

البئيسات هن البئيسات..

حلم أسير وقلب يحترق…

تربط حذاءها في السادسة صباحا وتخرج منتظرة وسيلة النقل  تقلها إلى المعمل أو الضيعة أو إحدى شركات الذل، إذ رؤساء العمل يجبرهن على الرضوخ والانصياع، وكذا أن يحطن من كرامتهن، وكل هذا من أجل أوروهات معدودة في أخر الشهر لا تكفي لسد حاجياتها وأولادها من التنقل والتبضع والمسكن.

هن حقا بئيسات في هذا الوطن الذي لعبت به الأزمة الاقتصادية ورمت به إلى براثين البطالة، وبشبابنا وشباتنا إلى براثين الضياع.

في مقابل هذا، هناك الشريفات وهن على مضض، إما لأن زوجها يحمل مكانها الإهانة ويحفظ وجهها من ذلك، أو لأنه ميسور الحال، يدير مشروعه لا أحد يتدخل فيه ولا في سيدته، وبالتالي تكون هذه الشريفة في هذه الأرض مرتبطة رباطا وثيقا بمكانة زوجها وحاله المادي، أي أنهن شريفات إلى حين، ولربما قطران البلاد أهون من هذا إن وصل الجرح حد العظم.

يتبع…

بالأمس اجتاح الجراد المدينة، بالأمس خرجت الجردان من جحورها، بالأمس رمت الأجساد أوساخها وتعبها وقصدت المدينة من كل حدب وصوب ليعلو الصوت: كفى من الإهانة، كفى من التعب، كفى من الذل والهوان…