الرئيسية - إبداع - النجاح رغم المحن (قصة)

النجاح رغم المحن (قصة)

 

 أيوب حاجي

في الزمن الماضي البعيد. ذلك الزمن الغابر، شتان بينه والآن. كانت حياته بين الأسرة ككتكوت تحت الدجاجة، أينما حاول الفرار من تحت جناحيها التقطته وأعادته تحث ريشها المحموم. كان يحاول التملص منها والتحرر من تلك القيود، لكن لن يستطيع لذلك سبيلا إلا بعد أن يصير كما صار أمثاله من إخوانه الذين تحرروا باكرا. أخذ يبكي تحسرا على وضعه. وهو يبكي؛ لاحظ نسرا طائرا في السماء وتمنى لو أن لديه تلك الجناحين الطويلتين اللتين تلمّحان في السماء، وكأنه يقرأ فيهما حبل وحياة النجاة، عاش في الحلم، هو حقيقة كان لابد له أن يحلم، أن يعيش على الحلم ليعوض واقعه المنحوس الذي عاشه.

سخر منه الجميع، حتى أنه لم يكن له رفقاء، بدأ كل يوم يرقب وقت مجيء النسر الطائر، يرقب حركاته وتلويحاته نحو الأعلى والأسفل، ونادى النسر بصوت مبحوح:

-أيمكنك أيها النسر ذا الجناحين الطويلين، يا رفيقي، يا رفيقي  منذ أن رأيتك، أيمكنك أن تعطيني جناحيك، أريد معرفة طعم الحرية بعض الشيء.

 لكن النسر غادره باتجاه آخر، وعاد خائبا تحت جناح والدته.

صار وليد طفل عاقل بعدما كان تحت الوصاية الصارمة الدائمة، لم يكن يعرف طريقا غير طريق الحصول على الحرية في ذهنه، كان دائما له هدف واحد وهو تحقيق الحرية. بدأ مشواره الأول في سن السادسة، حيث كانت بداية موسمه الدراسي الأول، اختار أن يكون من بين المتفوقين، زعم ذلك منذ أن وطأت قدماه المدرسة، وجه كلامه لجميع التلاميذ بصوت واثق:

– اعلموا جيدا أن لا أحد سيتفوق علي.. سأكون الأول دائما بينكم، وستذكرونني دائما في أحاديثكم، اعلموا هذا جيدا أيضا..

وأخذ الولد الصغير ذا الست سنوات  يبني ذاته بين الفينة والأخرى، وأعجب به الأساتذة لطموحه وأفكاره. ساعده أستاذه ووجهه دائما حتى آخر يوم في الموسم الدراسي، لينتقل إلى المستوى الثاني وهو دائما بنفس الحماس وبنفسِ قوة كلماته وتفكيره وحبه لاستنشاق الحرية، ساعده أستاذ المستوى الثاني أيضا، وحينما وصل للمستوى الثالث، افترق والده عن والدته، فبدأت طموحاته تتراجع ومعنوياته تتحطم. أخذ بيده أساتذة المدرسة، وعلى الرغم من ذلك  تراجعت مواهبه، وأصبح وليد الطفل الميئوس منه، والغير  مبالي بما كان يطمح في الوصول إليه.

كان عزيز عليه الحاج منصور، صاحب -اللحية البيضاء-  كان في كل مرة يحس فيها بالضيق والتذمر  يلتجئ إليه، صادقه كثيرا وكان واثقا أنه يجد راحته معه، كان الشيخ الحاج منصور يحكي له القصص، ويتلو له الأحاديث والسوَر القرآنية، ويفسر له بعضها منها ويربطها بواقعه. وحكى له أيضا قصص الأنبياء.

 عادت الروح والمعنويات لصديقنا وليد ورضي بما جرى له، وعاد للمدرسة بنفسٍ جديد  وبنفس الطموح الأول ليحقق مبتغاه ومن تم ليشعر بالحرية…

توفق في تخطيطه، وعمل على مشروعه الخاص، حيث تسلق سلم كافة المستويات، وأصبح مدرسا يضرب له وبه المثل، مدرس يراعي خصوصيات كل تلميذ وتلميذة ويقدرها، وأدرك أن الذين خفقوا والذين يخفقون، والذين سيخفقون أيضا من التلاميذ سيكون سبب مشاكلهم العائلة بالدرجة الأولى، التي تجعلهم يتقاعسون، ويملون ويضجرون فيما يلاحظونه من سلوكات بين الأب والأم، أو بين الأب وأخويه… ومن تم يحصل لهم صعوبات التعلم.

أخذ بأيديهم جميعا وساعدهم على العودة، بابتكاره لطرق جديدة في التدريس، وباطلاعه المستمر على البحوث والنتائج التي يتوصل إليها المتخصصون في النيرولوجيا والنيروسيكولوجيا (مجال علم النفس).

وهكذا قد حقق صاحبنا نجاحه المستحق هذا ورسم البسمة على التلاميذ الذين عانوا من ظروف شبيهة بظروفه، وعمل على توعية عائلاتهم بسلوكياتهم التي تودي بتردي مستوى أبنائهم…