الرئيسية - عمود القلم الأسود - ثلاثة شعراء وأنا

ثلاثة شعراء وأنا

كُنَّا أربعة أفرادٍ، جمعتنا فترة من الزمن، ثم فرَّقتنا أزمانُ، ولم يعدْ أحدُنا يلتقي الآخر إلا صدفَةً، وأحياناً يلتقي فلانٌ فلاناً آخر، فيزورُّ عنه، ويتخذ سبيله في البَرِّ عجباً، وكأننا لم نجتمع يوماً، ولم تضُمَّنا مجالس ولقاءات وكلمات ومقالات وقصائد وأفكارٌ وتحدِّياتٌ!
أحاولُ أن أتذكر كيف التقينا بالتحديد، لكنَّ ذاكرتي لا تسعفني بوضوح وتوْكيد، لكن ما أنا متأكد منه أن الأدبَ وحبَّ الكتابة هما ما جمع بيننا، وجعلانا نعرف بعضنا البعض، ونتقابل، ونتعاون على إصدار جريدة، وعلى أن نتنافس في تحرير أعداد الجريدة.
الجريدة كان اسمها (أنوال الجديد)، لم تعمِّرْ إلا أشهراً معدودةً، وثمانية أعداد.
كان الثلاثة يقترفون الشعر أولاَّ، وأنا أجترح القصة والمقال، واضطرَّنا عملُنا في الجريدة أن نحرر ـ نحن الأربعة ـ المقالات، وأن نلتزم بكتابة أعمدتنا الخاصة، والإشراف على باقي المواد، وكان مدير الجريدة، هو رئيس تحريرها، وممولها في نفس الوقت، لأنه كان قد ورثَ مالاً فبدَّدَه في إصدار ثمانية أعداد من الجريدة، وفي شراء كتب متنوعة، وفي ارتياد مقاهي أفخم الفنادق، لكنه ـ والحق يقال ـ كان صاحب أسلوب أدبي رفيعٍ، وكان يفاجئنا كما يفاجئ القراء بافتتاحية تنفجرُ بألوان مشعةٍ من الأخبار الطازجة، والحوادث المثيرة، وبأسلوب يجمع بين الجزالة وبين السخرية وبين آراء الفلاسفة والمفكرين والأدباء، فقد كان من عادته أن يقرأ مجموعة من الكتب المختلفة قبل أن يخرج علينا بمقال الافتتاحية، ويختار له عنواناً جذابا ومثيراً، وكثيرا ما كان يختارُ كلمةً واحدةً، لكنها كانت كفيلة بأن تشعلَ فضول القراء، وتحفزهم على قراءة افتتاحيته مهما كانت طويلةً.
وأذكر يوماً أنه قرأ عليَّ قصيدةً طويلةً، فجعلني أتأثر بكلماتها وصورها أشد التأثر، وشككْتُ أنه تحدث فيها عن نفسه، وعن حقيقة قاسية عانى منها وسط عائلته، وقد سألته لماذا لا ينشرها؟.. وأذكر أنه ابتسم في وجهي ابتسامة مريرةً، وقال لي ببساطةٍ إنَّ وقتَها لم يحن بعدُ، غير أني أكدت لنفسي أن وقتها لن يحين قطُّ؛ فقد كانت قصيدة موجعةً اقتطعها من خاصَّة نفسه، ومن سرٍّ حياته.
كان اسمه “سمير حمادي”.
ثم آخرُ، كان شاعراً أيضاً، وكان شاعراً حقيقةً، ومميزاً، وعبقريّاً، ويأتي بقصائد غاية في الفن والإبداع، ويكفي أن أخبر القراء، أنه شارك ذات عامٍ في مسابقة للشعر عربية دولية، نظمتها قناة (mbc)، وقد تنافس على جائزتها شعراء من مختلف الدول العربية، من بينهم شعراء كبارٌ، وكان هو الفائز رقم واحد، عن قصيدة عنوانها (ظروف النص)، وقد أشاد بها الشاعر العراقي الكبير “بلند الحيدري” رحمه الله… وقال “بلند” أثناء إعلان النتيجة في لقاء تلفزيوني، إن القصيدة مميزة جداً، وصاحبها أتى بشيء جديدٍ وجميل… 
ولطالما قرأ علي قصائد تشبه قصائد “أحمد مطر” تارة، وقصائد “نزار قباني” تارة أخرى، لكنها تختلف عنها بروحه القلقة، الغاضبة، اليائسة في نفس الوقت، ولم ينفع توسلي إليه أن يجتهد ويبحث عن ناشر أو دار نشر تتكفل بنشر دواوينه التي يحتفظ بها في دفاتر متفرقةٍ بخط يده الواضح… 
ولمزيد من المعلومات عنه، أنه ذات مرة كتب قصيدةً ساخرةً تناول فيها فتوى الفقهاء التي أثارت ضجَّةً إعلاميةً عن السلسلة المتحركة (بوكيمون)، وأرسلها إلى جريدة (الأحداث المغربية)، فنشرتها الجريدة مرفقةً بتوضيحٍ له دلالته إذ ذاك، وهو أن الجريدة تنشر قصيدةً لأول مرةً، مخالفة بذلك سياستها في نشر القصائد، لأنها وجدت أن القصيدة رائعة ومميزة وتستحق النشر!
ومعروف أن الشعراء حين يكتبون النثر، فإن نثرَهم يكونُ جميلاً وعذْباً، وقد كان نثره جميلاً وعذْباً…
إنه “مصطفى الغفاري”.
ثم آخر، كان شاعراً أيضاً، وكان ناثراً، وكان ثائرا وناقماً على المثقفين السابقين، وكان يخاصمهم في الواقع وفي كتاباته أيضاً، حتى أنه أطلق عليهم في نصٍّ له اشتهر به أكثر من باقي نصوصه الأخرى وصْف (جنرالات الثقافة)؛ إذ كان يتصورهم طواغيت يقبضون بأيدي من حديدٍ على مقاليد الثقافة، ويحتكرون وسائل الكتابة والنشر، وأنهم يعْترضون سبلَ الشباب، ويقتلون فيهم الطموح والذيوع والانتشار، وكان يعيش وهْمَ الاضطهاد، ويتصور أنه مثقف ضحية، وشاعر مغلوب على أمره، وأن هناك من يحاربهُ وهو الذي يجنحُ إلى السِّلم والشِّعر فقط!
وأذكر أنه في عددٍ من أعداد جريدة عنوانها (صوت الشباب) تعمَّد أن يترك عمودَه الصحفي في آخر صفحة الجريدة فارغاً إلا من البياض، وكأنه يسجل بذلك نوعا من الاحتجاج، وأن قراءه المنتشرين في البلاد سيتفقدونه، ويبكون على كلماته الغائبة!
وحتى ديوانه الذي نشره مع الأيام اختار له عنواناً يشي بشعوره، ويدلُّ على وهْمه، وهو (شاعر في بطن الحوت)، وقد طلب مني أن أكتب عنه، وحين كتبت مقالا عنه بعنوان: (شاعر في بطن النقد)، لم يعجبه النقدُ، واعتبرني حوتاً آخر من الحيتان التي يشكو منها.
إنه الشاعر “بوزيان حجوط”. 
والرابع هو (أنا).. وأعوذ بالله من قول (أنا)!