الرئيسية - عمود القلم الأسود - معشر المثقفين يرحمكم الله

معشر المثقفين يرحمكم الله

 

ليس ذنبي أنني لا أستطيع الكتابة عن السعادة وعن الأمور التي يراها البعض جميلة، كالزهور وأجنحة الفراشات المزخرفة، والشفاه المطرزة، والمقل العاشقة. ليس ذنبي أنني لا أكتب للنقاد والجوائز وحفلات تأبين الكتاب، ولا ألعق مؤخرة العالم الثقافي من أجل أن أجد فسحة تدفئني، وتذوبني بين التجمعات الكلاسيكية لمناقشة الحريات العامة والسياسات الدولية والإصدارات المنمطة…أمضي اليوم كله أكتب وأحلل حالة سيدة تقطن على هامش الحي تصارع أمواج الحياة، أحاول فهم حالتها الاجتماعية البئيسة، وقتي مكتظ في الكتابة عن مشاهد رعب أشاهدها، أعيشها، وتطاردني حتى السرير.

أشمئز من موسيقى الصالونات الأدبية وحفلات دوام الألق،  حاولت عدة مرات اقتحام عالمهم، اقتنيت اكسسواراتهم، حفظت جملهم النمطية، دخنتُ تبغهم الباهظ الثمن، والنتيجة؟

مسخ مشوه، غراب بمشية حمامة، زبلبولي بسلهام مستغانمي، أغنية راب بصوت نانسي عجرم. قبل أن أفقدني في ذلك العالم الغريب وأتحول إلى غوريلا ترتدي لباس “البالي”، تراجعت خطوتين، خطوة عنهم وخطوة عن الحياة النمطية. لهم جمالهم ولي جمالي. عندما ينظرون إلى جمال وردة، ويتحرشون بها في قصائد شعرية لا شعر فيها، أتذكر طفلة صغيرة تبيع الورد وأتساءل: اهي نفس الوردة التي شاهدتها شامخة بين القبور؟ أم هي وردة ثلج درويش؟ بما أنني لم أعرف درويش إلا عندما هممت كتابة رسالة حب لحبيبة من عالمهم، ولأن اسمه يذكرني فقط بالنسيان كأنني لم أكن، أنتصر لوردة القبور.

 

عندما ترفرف فراشة فرحا بالربيع أتنهد بعد تعب إصلاح قصدير كوخنا، أسترق النظر إلى بركة مياه في البهو لأشاهد تأثيرها على ذقني، قبل أن أحدد أثر الفراشة فقدت حاسة اللمس بحرارة الزفت الملعون. ذوقي الموسيقي غريب، أستمع لموسيقى الراب عندما أمسك القلم بين أناملي، اغدي الغضب داخلي كي ينضج ثورة كلمات، لا أعلم  كيفية تحويل تمثلات سوداء بموسيقى رومانسية إلى رقصات وجع على قرطاس.

أعرف الرومانسية أيضا، ليست رومانسية روايات الطبعة العشرون وأشعار الجلنار والأوركيد، وليست رومانسية روميو وجولييت، حبهما الشكسبيري لن يكون صادقاً كحب متسول لمتسولة صادفتهما متعانقين أمام دار للعجزة بعدما طردا بتهمة المساس بأخلاق الصخور البشرية، كان المشهد جميلا حتى البؤس، حبات المطر تتراقص فوقهما بالبرد القارس، الشجرة ترخي حزنها فوقهم، قمر شاحب يذبل بين الغيم الأسود آهات وآهات، والقدر السادي يتجسس من ثقب جلباب صوف دافئ ويبتسم، يا لها من صورة جميلة.

 

حتى رائحة التبغ رخيصا أو باهظا تذكرني بجارنا الذي اغتالته السجائر والإهمال الطبي. كيف أتجاوز احتراق قلب عجوز على ابنها المعاق المغتصب، واحتراق فتاة في بيت وحش بشري، واحتراق رجل على رزق أبنائه، واحتراق جندي متقاعد بين طبيب المفاصل والمحكمة العسكرية والدائنين، لاحترق مع شعب لا أعرف عنه إلا الصور؟ لم أقصد تجاهل صرخة القدس، لكن أذني مكتظة بصرخات ألم كطنين الذباب، صيحات الجياع، ونحيب أطفال خارج الصفحة، اتفقت الظروف اللعينة والانسان على قتل الأفكار الملائكية. نعم أنا مناضل ولكن، قلتها ذات سردٍ وأكررها إلى أن يأخذ الموت جسدا نسيه خادمه عندما أخذ روحه…

 

أعشق البن الأسود وأتفاداه، يذكرني بتلك الفتاة السمراء اليتيمة، المكتنزة الأرداف، التي ترقص بين طاولات المقهى ألماً، تجمع الدراهم نظرات جنسية، تظهر بعضها لتعيش، تنزل جسدها فوق طاولة الزبون المكبوت ليتقيئ بقشيشاً، ويجد كاتب فارغ المحتوى كإنسان ضالته بين تنيات جسدها الجميل، يبيعه طيات طيات لجريدة أو مجلة ثقافية ليضخم أناه، ويصفق له الجمهور المثقف المشغول بترديد جمل ورثها عن الجاحظ كالببغاوات، وشعارات نسيها غيفارا كالصدى الصدئ، وأمنيات شيخ حمراء تنشد الفناء. أتخيلها دائما تمسك مكبر صوت عوض سيجارة محشوة تحاضر في جامعة حول صراع الطبقات، تتزين بوشاح قضية ما وأحمر شفاه خفيف،  لتظهر انسانيتها للطلبة، ويرضى عنها العميد والوزارة والشباك الالكتروني.

كل يوم، أستيقظ باكرا لصلاة الفجر، أصل إلى المسجد متأخرا، تمنعني العجوز الملتحفة الفراغ أمام باب المسجد وتطلعات المصلين للفردوس. ولكي ترضى عني اليهود والنصارى، يجب أن أقول: السبب هو الشيطان لعنة الله عليه. أخرج من البيت مؤمنا وأرجع كافرا من ساكنة الدرك الأسفل من الجحيم، وهل هناك جحيم غير هذا؟

 

عرفتُ الحب صغيرا، في نظرات أطفال الحي للأمهات، في شوقهم للحياة، سمعت أشعاره في ابتهالاتهم، شاهدتُ الأمل يمشي فرحاً في زقاق أحلامهم البريئة. عرفتُ الشجاعة في ابتسامة الأباء، رغم كيد الزمان، وخشونة يدهم. تعلمتُ الشموخ من زغيبات لحاهم، ومن مفهوم الشرف الذي يحلق فوق دروب الحي كالعنقاء.

 

لقنتُ التضحية من النساء العاملات في البيوت، ومن الفتيات الممتهنات الذعارة، المغامرات بمستقبلهن من أجل لقمة عيش، فشرفهن أغلى من شرف قائد عسكري. أتحسر كثيرا لأنني ضيعتُ الكثير من الوقت، عندما كان العالم يطالع الكتب القيمة قرأت الدروس بين ورق لف الحشيش، الذي يتحول لهيبا يتغدى على ريعان شباب يشبهونني.

 

يقولون أن لغتي عنيفة، كأنني اخترتها، كأنني ولدتُ عمدا في عالم يشبه الجحيم، بل يتفوق عليه في الكثير من المرات. عندما فرقت اللغات، لم يستيقظ الحي باكرا، فاز الناس بالمصطلحات الجميلة، وظفرنا بالشتائم  باللعنات…