جُرعات الوهم

الجرعة الأولى:
لطالما تحققت أحلامها، حتى تلك الأحلام التي تبدو مستحيلة في نظر الكثيرين، لم يكن يلزمها سوى الحلم لتجد كل ما ترغب فيه مجسدا في الواقع، لكنها سئمت من حياة سهلة تهديها الأحلام على طبق من ذهب، كم مرة تمنت أن يبقى لديها حلم غير قابل للتحقق، علها تجد سببا لتحمل حياتها الخالية من الإثارة، ولكن أمنيتها هاته لم تتحقق أبدا.. أكثر ما كان يثير جنونها، هو أن جميع المحيطين بها يغبطونها على عيشتها الرغدة، ويتقربون منها طمعا في عصاها السحرية المسماة: ثروة، والتي تحيل الأحلام حقيقة ملموسة..
وذاتَ يوم، قررت أن تجرب الوهم، لتنسلخ عن واقعها الممل، لذا، أخذت أول جرعة مخدرة، لتحلق في سماء الأوهام التي لا نهاية لها..
الجرعة الثانية:
اعتقدت أنها هي من ستتحكم في الجرعات التي ستأخذها، لكنها لم تدرك أن الجرعات تُملي شروطها على كل من يلجأ إليها، ظلت تصارع الآلام القوية الناتجة عن احتياج جسدها الصغير إلى جرعة جديدة، وحاولت كثيرا مقاومة إغراءات السعادة الوهمية المؤقتة إلى أن جثت على ركبتيها وأعلنت استسلامها أمام سلطان الوهم، مدت يدها المرتعشة لتأخذ جرعتها الثانية، كي تطير صوب مدن الأوهام التي لا وجود لها إلا في خيال المتوهم، في الصباح، استفاقت من وهمها لتجد نفسها ملقاة على أرض الحقيقة القاحلة..
دوامة الجرعات:
اختارت بمحض إرادتها الغرق في دوامة إدمان جرعات أصبحت بالنسبة إليها بمثابة جواز سفر إلى عالم مواز للواقع، وباختيارها هذا، خسرت العديد من الأشياء، لكن أفدح خساراتها على الإطلاق كانت خسارتها لنفسها ولمبادئها..
أصبحت مستعدة للتخلي عن أي شيء من أجل الحصول على جرعاتها لتتخلص من عذاباتها، ولم تكن تهدأ وتسترخي إلا بعدما تحصل على المخدر- الوهم..
جرعات الوهم:
كانت تشعر بأنها تملك مفاتيح مملكة الأوهام في كل مرة تتعاطى فيها المخدر، وتنتابها أحاسيس النشوة الوهمية، ولهذا لم تعد ترغب في أي شيء، مما جعل الجميع يستغربون إقلاعها عن الحلم، دون أن يدركوا أن سبب ذلك راجع إلى أنها قد أدمنت الوهم..
لكن جرعتها المعتادة لم تعد تكفيها للبقاء مدة كافية في مملكتها الوهمية التي أصبحت تغلق أبوابها في وجهها بسرعة، لتعيدها إلى أرض العذاب مجددا، ولأنها لم ترغب أن تُوصد أبواب الأوهام أمامها، ارتأت أن تزيد الجرعة سعيا وراء عيش وقت إضافي من الوهم..
الجرعة القاتلة:
صارت من عبيد الوهم، تدهورت حالتها ولم يعد للجرعات نفس الأثر، مما كان يضطرها إلى زيادة الجرعة يوما بعد يوم، طمعا في أن تتخلص من أعراض اشتياق جسدها إلى المخدر، وأملا في أن تطير لمدة أطول على بساط الوهم..
وذاتَ وهم، سقطت بعد أن زادت الجرعة كثيرا، وهي تحتضر، فكرت في أن بعض الأوهام قاتلة..