الرئيسية - المقالات - مرنيسة.. لحيس الكاپة إلى أين؟

مرنيسة.. لحيس الكاپة إلى أين؟

التقرب من السلطة والمسؤولين بهدف الصالح العام وخدمة المجتمع والمنطقة وقصد رفع قاطرة التنمية هو عمل محموذ، بل ومرغوب فيه كما النقد البناء المبني على أساس الاحترام وعدم قذف الكلام جزافاً وعلى هواهنه. وهو ظاهرة صحية الغاية منها لفت نظر الشخص المنتَقد إلى خطأ ارتكبه أو فكرة فاتته أو تعارض وجهة نظر الناقد معه حول أمر ما، مع الحفاظ لكل طرف على وجهة نظره الخاصة المنبثقة من درجة ثقافته التي عادة ما تختلف من شخص إلى آخر. وما خالف ذلك فليس إلا سلوكات منحرفة تندرج في مجال “تافضوليت” التي تحولت اليوم إلى ظواهر مجتمعية مقيتة، وثقافة متجدرة ومعمول بها بيننا، يدمنها الكثير ممن تغلبت عواطفهم على عقولهم في التفكير، ويمتهنها “إن صح التعبير” من يجدون في التلصص على أخبار الناس وأحوالهم ونشرها متعة وسعادة، الذين نسميهم بالعامية المغربية ب”البركاكة” او “لحاسين الكاپة”.
“لحاسين الكاپة” معروفون لدى العموم، ونراهم كل يوم في مواقف وأوضاع مختلفة، يتلونون كالحرباء حسب المناسبات والظروف، يظهرون للناس عكس ما يضمرون، يجلسون في المقاهي والطرق وفي الأزقة يسترقون النظر لكل مار وكل وافد جديد، و يوزعون سموم ألسنتهم النتنة المعفنة على العباد والبلاد.
مستواهم الدراسي تحت الصفر ، يقولون ما لا يفعلون،ي فسدون ولا يصلحون، يلبسون قناع الإصلاح للتمويه، عرفوا بتعدد اقنعتهم، مستعدين دوما لبيع ماء وجوههم مقابل الحصول على الامتيازات من أموال وقرابة وشغل أجره لا يسمن ولا يغني من جوع، وامتيازات أخرى مادية ومعنوية حظوة لدى أصحاب النفوذ و”موالين الشكارة”، سلاحهم الوحيد الإدعاء بأن لهم القوة على التأثير على الآخرين والتحكم في اللجام لاستمالة الناس نحو الوجهة التي تدفع اكثر ، يشتغلون بمنطق السوق / منطق العرض والطلب، مستعدون لتقديم خدماتهم لمن يدفع أكثر إلى درجة انه أصبح لهم اسم في السوق وعلامة تجارية مميزة.
تتعدد أسماؤهم “لحاسين الكاپة” “الشمشامة” أو “الشناقة” ولكن تتشابه أهدافهم، يغطون مختلف المنتديات, بدء من المقاهى و اللقاءات العامة و الخاصة، والمصالح الإدارية والطبية …
تراهم يندسون مع هؤلاء ومع أولائك،أيتصيدون الأخبار وينقلونها من هذا الفريق او الشخص إلى ذاك، لا ملة لهم ولا دين، مذهبهم الوحيد هو ما يملؤون به بطونهم وجيوبهم، كادوا أن يكونوا مستشارين ومسؤولين جماعيين أو هم أقرب، ومنهم من يدفعه أسياده للترشح للانتخابات، ليس بغرض النجاح، بل بهدف تمييع العملية برمتها وخلط الأوراق وتشويه المشهد السياسي.

وغالبا ما تتبجح هذه الفئات بعلاقاتها مع الإدارة والسلطة وبقدرتها على تسوية الأوضاع الإدارية كما يقدمون بعض الخدمات والتي هي من حق المواطن دون وسيط كإنجاز وثيقة إدارية والتطبيب إلخ… وهي كلها خدمات يخيل إليهم أنها تدخل ضمن البر والإحسان، وهؤلاء غالبا ما يتحركون بأنفسهم ويختلطون بعامة الناس ويزورونهم في بيوتهم والفقراء منهم بالخصوص لإظهار تواضعهم وحبهم للبسطا،ء ويقبلون الأيادي خلال الحملة الإنتخابية، يتحركون في واضحة النهار “وعلى عينك يا بن عدي ” يتربصون بضحاياهم من الناخبين والمنتخبين أحيانا، همهم الظفر بالمال لأن الفرصة لا تعوض كما يقولون، ومع توالي الإنتخابات تفننوا في استدراج فئات عريضة من المواطنين البسطاء الذين ألفوا بيع أصواتهم فى الانتخابات، وهو أمر اصبح عاديا في المجتمع المرنيسي، والذين لا يعنيهم من الإنتخابات سوى ما يمكن أن يحصلوا عليه من أموال مقابل أصواتهم بسبب ضعف مستوى الوعي لديهم، والذي يبدو أن الإرتقاء به ليس سهلا، ويتطلب مجهودات حقيقية وملموسة.
خلال الحملة الإنتخابية يتحول هؤلاء إلى منظرين ومنجمين في السياسة وعلومها، وما هم في الأصل سوى شرذمة من النصابين والدجالين والوصوليين وأصحاب حاجتهم ، يساهمون –مع آخرين – في الفساد ويهلكون الحرث والنسل بتصرفاتهم الاحتيالية على هذا وذاك، يضربون كل الأعراف والمواثيق الأخلاقية، وهناك فئة أخرى تسخرها الأعيان والأعوان لتنقل لها كل السرائر وكل ما يدرس في الخفاء، إذ يتحسسون الأخبار بالليل و النهار، يحاولون تبادل المعلومات فيما بينهم وبين أسيادهم منأجل استجماع الأكثر وإرضاء الرؤساء لنيل عطفهم و ترقياتهم, أو حتى توظيفهم متى كانت المناسبة سانحة. 

مهمتهم لن تقف عند هذا الحد بل يتتبعون أحوال الناس وحركاتهم وسكناتهم وكل جديدهم والبحت في قديمهم بالنبش في حياة مضت بحلوها ومرها، وكل ما يهم هؤلاء “الجواسيس” هو رضى الطبقة المسؤولة وقضاء مآربهم ، والعفو عنهم أحيانا ان أساؤوا والدفاع عنهم، لذا اختاروا الجهة الغالبة بقوة الجبر في نظرهـــم ومخيلتهم !
ولكن سرعان ما تنكشف طبيعة مهمتهم أمام الملأ، ويصبح مشارا إليهم أمام العيان في كل لحظة وحين, كما أنهم يصبحوا منبوذين داخل المجتمع، الكل يتهرب منهم ويخافهم و لا يتعامل معه، لتقل معهم بورصتهم فى تحقيق السبق و الاستباق نحو المعلومة ليزفها إلى المسؤولون  وهكذا.
وما دام هؤلاء البركاكة والحضاية والبلحاسة و الجواسيس يعيشون بين ضهرانينا وينافقوننا، فإن  المجتمع المرنيسي لن يتقدم قيد أنملة، وستبقى كما هي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهذا واحدا من أسباب تأخير مرنيسة وتعطيل عجلة التنمية منذ الإستقلال.