كابوس

 
في صغرنا وفي المرحلة الابتدائية درسنا دروسا في المواطنة، وأكد لنا معلمنا أننا متساوون في الحقوق و الواجبات داخل قطعة أرضية تسمى المغرب، شعارنا: الله، الوطن، الملك. كنا نرفع في كل الصباحات الراية إلى السماء على إيقاع النشيد الوطني. و أضاف معلمنا أن لون الراية هو لون دم الشهداء الذين دافعوا عن الوطن، و نجمته الخماسية الخضراء تدل على أركان الإسلام الخمسة و هو دين المغاربة أجمعين. حلمنا أنذاك بأن الوطن وطن للجميع، و كل شبر من ترابه فهو ملك لنا و نحن شعب من طنجة إلى كويرة كالجسد الواحد لا فرق بيننا… كان حلم جميل لكنه اصطدم بصخرة الواقع، و اكتشفنا و نحن كبار أن واقعنا أشبه بالجحيم غير الذي توهمناه.
 
كل الأحلام التي رسمناها في مخيلتنا و نحن صغارا تبخرت كدخان سيجارة عالقة بين أصابع مياوم، أحلام تكسرت و تطايرت شظاياها فأصابت وجوهنا و نحن كبارا، اعتدنا مسح عرق الخيبة و الكآبة كل يوم، انتحرت كل الأحلام و دفنت تحت التراب، كلام معلمنا بقي عالقا في حلقه يتردد صداه في أعماقنا، اصطدمنا بصخرة الواقع المعاش، و لم تعد هذه القطعة الأرضية من العالم و التي أحببناها و نحن براعم تستهوينا، نبحث عن أي فرصة للفرار منها و لم نستطيع، كل الأبواب موصدة و نحن وجها لوجه مع الفقر و الضياع و التهميش و اللامساواة… واقع أشبه بالجحيم حيث تضارب المصالح الشخصية و غياب الضمير الإنساني و تحجر العقليات و فوضى السياسة و السياسيين و بالتالي تدهور الأوضاع الاجتماعية للمغاربة.
 
في هذا البلد، سواء حصلت على شواهد دراسية أو دبلومات مهنية أو لم تلج قدماك باب المدرسة فالأمر سواء، لم تنفع الشواهد المدرسية في زمن الزبونية و المحسوبية، كما لم تنفع الديبلومات المهنية في عهد الأزمة الاقتصادية. وإذا أردت الحصول على العمل و ليس لك ” وسيطة” أو “بسيطة” فعليك بالأعمال الشاقة لأنك ولدت في بلد لا يحترم مواطنيه. فالوظائف المهمة تبقى لأبناء الميسورين الذين يدرسون في مدارس خاصة، أما أبناء الشعب أجهزوا على تعليمهم في مدارس لا تحمل إلا الإسم. ومعظم الشباب تضيع سنواته إما في الحبس أو في الغربة أو  في ” التخمام” و تناول المزيد من السجائر و المخدرات، أو في الأعمال الشاقة التي تفتقر لأبسط شروط الكرامة الإنسانية. و آخرون الذين سنحت لهم الفرصة و اشتغلوا في الوظائف العادية، لازالت عصا الأمن مرسومة على ظهورهم منذ أن طالبوا بحقهم في التوظيف.
 
في هذا البلد لا تستطيع السير في شوارع المدن ليلا، لأن ظاهرة الاعتداءات و السرقة و الاغتصاب استفحلت بشكل مخيف، لدرجة صعب على الأمن القضاء على هذه الظواهر التي تنمو نتيجة الفقر و البطالة و انتشار دور الصفيح التي تفرخ الإجرام بشتى أنواعه و التطرف الديني الذي يهدد أمن و سلامة الدولة. توازي هذه الظواهر و غيرها ظاهرة الدعارة و التي انتشرت بصورة مذهلة في بلد يدين بالإسلام، و اجتاحت هذه الآفة المدن و القرى، و لم تسلم منها لا العازبات و لا المطلقات و لا المتزوجات أيضا إلا ما رحم ربي. و هذه الظاهرة بدورها نتج عنها مشكل الأطفال المتخلى عنهم و الذين ينضافون إلى لائحة المتشردين المتسولين الذين تمتلأ بهم جنبات الطرقات و المقاهي المطاعم. هذه الجيوش انضافت إليها أعداد من الأفارقة المهاجرين الذين استعمروا الشوارع الرئيسية و مواقع إشارات المرور يستنجدون بالمارة ويستعطفونهم من أجل قطعة نقدية، فأفسدوا بذلك المشهد العام و جمالية المدينة، و يتعدى الأمر أحيانا الى التعدي على المواطنين المغاربة و سلب ممتلكاتهم كما حدث في عدة مدن مغربية.
 
في هذا البلد الذي كله معاناة و مشاكل يعيش عالمه القروي على إيقاع العزلة. فمعظم البوادي المغربية تفتقر إلى الطرق المعبدة التي من شأنها ربط جسر التواصل بين البادية و العالم الخارجي و قضاء عدة مآرب أخرى. إضافة إلى ندرة المياه بسبب توالي سنوات العجاف و تدهور الغطاء النباتي،  وأصبح العالم القروي الآن أمام تحد صعب مع قطرة ماء، فبرنامج تزويد القرى بالماء الصالح للشرب لا زال في بدايته و بطيء كمشية السلحفاة، الشيء الذي يشعل احتجاجات هنا و هناك بين الفينة و الأخرى. و رغم تدخل المخطط الوطني الأخضر في المجال الفلاحي إلا أن أغلب الفلاحين في البوادي المغربية يمارسون فلاحة معاشية و لا تكفي لسد الخصاص الحاصل في المواد الزراعية و الحيوانية. أما التطبيب حدث و لا حرج، حيث يعتمد المواطن القروي على الله من أجل شفاء مرضاه في زمن الصحة للجميع. حتى لا أنسى فبعض المناطق في البوادي المغربية لم تشملها بعد الشبكة الكهربائية و الشبكة العنكبوتية مما يزيد في تعميق العزلة و تكريس الإحساس باللاكرامة لدى المواطن المغربي.
 
في هذا البلد أنظر إلى المرآة كل صباح لأحسب عدد التجاعيد التي تتزاحم فوق وجهي، و الشيب الذي احتل مناطق مهمة من جغرافية رأسي… بسبب واقع مرير غير الواقع الذي حلمنا به و نحن صغار، حيث كنا ندرس دروسا في التربية على المواطنة، الحقوق، الواجبات، المساواة، التعايش، حب الوطن من الإيمان… عناوين بارزة حفضناها على ظهر قلب أصبحت شعارات يرددوها السياسيون في كل مناسبة انتخابوية ويتغنى بها أحيانا مغنيون بحثا عن مجد في وطن حزين. يقال عادة أن الفقير لا يكون مخلصا لوطنه، ربما لأسباب خارجة عن ارادته، أسباب ذكرتها أعلاه.
 
الدولة غولة و الشأن كبير و السياسة مسرحية و سيناريو معد سلفا، الطريق طويلة و الأمل يخبو و لا يتلاشى، و نؤمن بأن المغرب ملك للجميع رغم الإقصاء. فنحن لسنا عبيد في ضيعة أحدهم أو أغنام في يد راع متهور، اننا نؤمن ايمانا قاطعا بأن أمهاتنا ولدتنا أحرارا.