الرئيسية - الواجهة - البلوكاج الثقافي والإبداعي في الناظور*

البلوكاج الثقافي والإبداعي في الناظور*

بدايةً، أودُّ أن أصارحكم أنني تردَّدْتُ كثيراً قبل أن أوافق على حضوري هذا النشاط، وكِدْتُ أن أعتذر، أو لا أعتذر، وأخلق عُذراً مزيفاً، كي لا ألبي دعوة (رابطة الكتاب الشباب بالريف)، ذلك أني تذمَّرتُ من الوَضع الثقافي في المدينة، ومن الأنشطة التي تقام باسم الثقافة، وضِقْتُ ذرْعاً ببعض السلوكيات والمواقف التي يسلكها ويقفها بعض المثقفين، في مدينتنا الناظور…

لكن، هذه الرابطة لها مكانة خاصة عندي، وأعضاءَها ينزلون من نفسي منزلة طيبة، فهم شبابٌ طيبون، صالحون، يحبون لغيرهم ما يحبون لأنفسهم، ويؤثرون مصلحة أقرانهم على مصلحة ذواتهم، ويبدأون بالمعروف لفائدة الآخرين قبل أن يبْدأوه لفائدة أشخاصهم، وهم يكافحون بشرفٍ في الحياة، وفي الثقافة، وفي الأدب.

وعندما رأيتُ هذه الأمور قرَّرتُ أن أحضر هذا النشاط، وما دفعني إلى الحضور أكثر هو موضوع النشاط: (الكتاب والمؤلف، مسيرة ألف ميْل).

فهذا الموضوع قريبٌ مني من عدة جوانب، وأولها (الكتاب)، وثانيها (التأليف)، وثالثها (المسيرة)، ورابعها (الميْلُ) وقد نقصد بالميْلِ درجةَ التَّعلق والاهتمام، أو نقصد به قياسَ المسافة والخُطوات، ثم جوانب أخرى ترتبط بهذه الجوانب المعلن عنها، منها (الشباب)، ومنها (الثقافة)، ومنها (الإبداع)، ومنها (حاضر ومستقبل مدينتنا)… والقائمة مفتوحة لمن يريد الإضافة.

وليسمحْ لي الحاضرون، أنْ أُخبرَهم أنِّي تعرضْتُ في كتابٍ لي، لم تلْفَظْهُ مطبعةٌ بعْدُ، لمسيرة أقلامٍ وأسماءٍ، سمَّيْتُهُ (في صحبة هؤلاء: شهادات وذكريات)، وأملكُ شاهديْنِ عدْليْنِ، هما حاضريْن معنا في هذا اللقاء، وهما: الصديق “محمد خالدي”، والصديقة “زلفى أشهبون”.

وقبل هذا الكتاب، تعرَّضْتُ لمجموعة من الكِتابات والكُتُبِ لمجموعة من الكُتَّاب والكاتِبات، وتناولتُ الجميعَ بالتعريف تارةً، وبالتحليل تارة أخرى، وقلتُ فيهم غير ما قال الإمامُ “مالك” عن الخمْر والجِنِّ، وإنَّما فعلتُ ذلك لوجْه الله لا أريدُ منهم جزاءً ولا شُكوراً.

والحديث عن موضوع لقائنا هذا، في مدينتنا هذه، حديث ذو شجون بمعنى الكلمة، ويكاد هذا الحديث يثير الخصومات والاتهامات، ويدعو إلى الجدال والعنف في الجدال، والحِدَّة في إبداء الآراء ووجهات النظر، وبخاصة بين أبناء الجيل الحاضر وبين أبناء الجيل السابق، ذلك أننا نكاد نلمسُ نوعاً من القطيعة بين أبناء الجيلين، وتباعداً، وانفصالاً، وعدمَ التواصل، وغيابَ التشارك، وقلَّةَ التفاعل، وإنْ كانت الأجساد تتقارب أحيانا، والأيادي تتصافح، والمجاملات تتبادل، لكن أن يكون بعد هذا آثارٌ ملموسة، وثمارٌ مقطوفة، وأعمال ظاهرة، وفوائد متبادلة، فذلك ما نفتقر إليه، ويشكو منه الشباب مُرَّ الشكوى، وينتشر الوباء، وتنتقل عدواه بين الجميع، حتى أنَّ الشباب لا يهتمون بأعمال الأوائل، والأوائل لا يتابعون أعمال الشباب، إلا ما جاء عَرَضاً، وجاء بعد إلحاحٍ واستجداءٍ، وأخشى أن أضيفَ ما جاء عن طريق المقابل، أو المنفعة، أو الاستغلال.

صدرت في الأعوام الأخيرة مجموعة من أعمال الشباب الإبداعية، وغير الشباب، وتنوعت ما بين الرواية، والقصة، والشعر، سواء بشكل فردي أو جماعي، لكننا لم نسمع عن احتفاءٍ بهذه الأعمال، ولم نقرأ دراسات عنها، ولم يُشَرْ إليها في ندوات أو لقاءات، ولم يهتمْ بها مثقفو المدينة كما يجبُ، والمؤسف أنَّ حتى نُسَخاً أهداها أصحابُها إلى بعضهم لم تنلْ حظَّها من قراءة المُهْدى إليهم، بله التقييم، بل وسمعْنا أن هناك من تخلَّص منها، ولم يحتفظ بها بين متاعه، ولوْ من أجل الذكرى!

وهذه الظاهرة ممَّا يْؤسفُ له، لا يخلو منها أكثر الذين أدْرَكتْهم حِرْفةُ الكتابةِ، ويشتكي منها المعروفون والمجهولون على السواء.

وقد نحاول أن نلْتَمس معرفةَ أسبابِ ذلك لكننا نعجز، أو أننا نتحرَّجُ في قول الحقيقة كلِّها؛ لأنَّ للمسألة علاقة بالنفوس، وما أضيق النفوس.. وما أضيق العيش.. وما أضيق الوقت.. في مدينتنا!

ولا داعي للحزن والأسى؛ فالنبيُّ “يوسف” عليه السلام سجدَ له الكواكبُ والشمسُ والقمرُ، بينما إخْوتُهُ ألْقوْهُ في الجُبِّ!

ولا داعي للأسف بيننا إذا علِمْناَ أن الظاهرة وطنيةٌ شاملة، وليست محلية ضيقةً، وأنَّ الاهتمام بالثقافة والإبداع هو آخرُ ما تفكر فيه الدَّوْلَةُ، التي من المفروض أن تولي اهتماماً حقيقياً وكبيراً للثقافة، كما قال الشاعرُ المغربيُّ “صلاح بوسريف”، عندما تحدَّثَ عن الحصيلة في الشأن الثقافي، في جريدة (المساء)، في آخر عَددٍ منها لسنة 2017، وقد نعتَها بسنة البلوكاج الثقافي، وقد شاركه نفسَ الرأيِ رئيسُ المنظمة المغربية لحقوق الإنسان سابقاً الأستاذ “إدريس كثير”، حيث نَعى بكل أسى وحزنٍ أوضاع الثقافة المغربية، وقال بصريح العبارة إنَّ «أُمَّةً تعتبرُ الثقافة مجرد جوائز، أمة لا طائل من ورائها، وأمةً لا تضحك، ولا تنصتُ للشعر، ولا تعرف السَّمر الثقافي، ولا ترسم نفسَها في أوضاعها المختلفة، وتؤخر البرامج الثقافية التلفزية إلى ما بعد منتصف الليل، أي بعد الأخبار البئيسة والمسلسلات الساقطة، أمة لا يُرجى منها خيرٌ، أمةً لا تقرأ لا يمكن أن تكون خير أمة أخرجت للناس».

أما “محمد الداهي”، وهو ناقدٌ فقد شهدَ أن الوضع الثقافي متَرَدّيٌّ، وبيَّنَ ذلك في «انحسار نسبة القراءة.. ضعف بنيات الصناعة الثقافية.. تراجع دور الجمعيات الثقافية وأدائها.. قلة الإصدارات بالنظر إلى العدد الإجمالي للمغاربة.. تعثر دعْم الكتاب المغربي…».

أما نحن، في مدينتنا، فنسجلُ ما يلي:

* التفاوت في منْح الدَّعْمِ للجمعيات على اختلافها وتباينها، والملاحظ أنَّ الجمعيات الثقافية (المستقلة) هي أقل الجمعيات حصولا على الدعم الكافي، ومنها التي لا تحصل على درهم واحدٍ..

* غياب أفْضيَةٍ متعددة أو نوادي يتمُّ فيها خلْقُ الأنشطة الثقافية، ويظل المركبُ الثقافي هو أكثر مكانٍ يحدث فيه ذلك، دون أن ننسى دار الأم، التي اضطرت إلى أن تفرض تأدية مبلغٍ مالي مقابل إقامة أيِّ نشاطٍ في قاعتها، بالإضافة إلى مؤسسة الأعمال الاجتماعية، مما يعجز المركبُ الثقافي عن استيعاب جميع الأنشطة، والاستجابة لكافة طلبات الجمعيات..

* تراجع مشروع القراءة؛ لأنه يعمل بدون إستراتيجية، ويفتقر إلى أيِّ دعْمٍ، وتوفير الوسائل والأماكن اللائقة، ناهيكم عن ظاهرة تناقص القراء وعزوف الكثيرين عن القراءة..

*  تنظيم مهرجانات تطغى عليها الموسمية والاحتفالية بالدرجة الأولى، كما يغلب عليها البهرجة والأضواء والشعارات، يُراعى فيها المصالح الضيقة والعلاقات الشخصية على حساب الثقافة الهادفة والأدب الجادِّ والفنِّ الرفيع…

* غيابٌ تامٌّ لمؤسسات الثقافة المختلفة التي تحتضن المواهب والكفاءات والطاقات في ميادين الفن والمسرح والسينما والموسيقى، ومن نافلة القول أن نذكر غياب المكتبات العمومية والمقاهي الأدبية ودار الشباب.

* وأكثر ما أحب أن أسجله أيضاً افتقار المدينة إلى مسؤول كبير، أو مثقف بارز، أو شخصية نافذة سواء من الأعيان أو من الجامعيين الأكاديميين، يهتم بالشأن الثقافي العام، ويأخذ بأيدي المثقفين، ويكون له دور فعالٌ في سُمْعة المدينة الثقافية!

قد يقولُ البعضُ إنَّ كثيراً منَ الأعمال المنتشرة لا ترْقى إلى مستوى الاهتمام، والتعريف، والتَّنْويه بها، لكنَّ حتى هذه الأحكام التي قد تبدو سلبية، يحتاجُ إليها أصحاب الأعمال المنشورة، ويعتمدون عليها كي يتعلموا، ويستفيدوا، ويكتشفوا من خلالها مناطق ضعفهم، وأسباب تدنِّيهم، ويحاولوا بعد ذلك أن يرتقوا بأعمالهم، ويبحثوا عن مناطق القوة، ويكتشفوا أسرار التفوق والتميز، فمن الأخطاء يتعلم الناسُ، ومن ملاحظات الآخرين يفْطِنُ الأشخاصُ الأذكياءُ إلى مكامنِ القوة والجمال والجودة، ألا ترون أنَّ الإنسانَ حين ينظر في المرآة فإنه ينتبه لعيوبه أكثر مما ينتبه لمحاسنه!

فليفكر أهلُ الكتاب والتأليف أن يكونوا مرايا بعضهم لبعضٍ، ونحن معشر المسلمين لا يخفى عنَّا حديثُ سيِّدِ المرسلين: (المؤمن مرآة أخيه)، فكيف إذا كان هذا المؤمن من أهل الثقافة والمعرفة؟!.. إنَّ ذلك يصير واجباً عليه!!

قرأتُ في جريدة (أخبار الأدب) المصريَّةِ عدداً تناولَ ملفُّهُ الأساسيُّ شهاداتٍ عن الروائي الذي رحل قبل نهاية العام 2017، “مكاوي سعيد”، والذي أثارني في تلك الشهادات ما أكَّدَ أصدقاءُ الراحل عن مبلغ اهتمام الروائي “مكاوي” بالشباب، حيث كان «يرشح بعض مخطوطات الأعمال الشبابية الجيدة لبعض دور النشر التي يمكن أن تنشرها لهم دون أن يتكلَّفوا أي أعباء مادية في النشر، على نحو ما يفعلُ بعضُ الناشرين الذين يجبرون شباب الكتاب على الإسهام في تكاليف النشر، قبل موته بأيام قليلة أخذ كعادته من عددٍ من الكتاب الشباب أعمالاً مخْطوطةً لهم ليسلمها بيده لدور نشرٍ بعينها يأملُ فيها أن تنشرها…».

قرأتُ هذا، واستحضرتُ بعض الوجوه، وبعض الأسماء، وتأملت حركتنا الثقافية، وفكَّرتُ في هُموم الشباب الكُتَّابِ، وقلتُ: أين لهم بواحدٍ مثل “مكاوي سعيد”؟!

هؤلاء الذين يملكون من الوسائل والإمكانيات والمراكز والمكاتب، منهم أساتذة جامعيون، ودكاترة، ورؤساء جمعياتٍ ومجالس علمية، ومنتخبون، وأعيان، ألا يوجد منهم رجالٌ أصحابُ معالي ومعاني، يهْتمُّون بالشباب الكُتاب، فيُعينونَهم على النشر والانتشار؟!

ومع ذلك حسْبُ هؤلاء الشباب أن يقرأ لهم الكبارُ، أما النشر فهم يتكفلون به.

“مكاوي سعيد” لمْ يكنْ يساعدُ الشباب على إمكانية النشر فقط، بل كان يتمتع بكرمٍ غير طبيعيٍّ حيث «أنه كان يشتري نُسَخاً من كتب بعض الكتاب الشباب ويمنحُها لنقادٍ بعينهم يعرف قيمتَهم حتى يهتمّوا بهؤلاء الكتاب أو يلتفتوا إلى إبداعهم الذي كان يؤمن به هو».

وهذا ما يحتاجُ إليه الكُتَّابُ الشباب.. يحتاجون إلى من يؤمن بهم.

يحتاجون إلى من يقدمهم، وإلى من يلتفت إليهم، وإلى من يُنادي هؤلاء الشباب.. هؤلاء الفتيان والفتيات… وإلى منْ يُشير إلى أعمالهم سواء بالمدْحِ أو بالقدْحِ، وهم حتْماً سوف يستفيدون، وسوف يتعلمون، وسوف يجتهدون، وسوف يستمرون في الخلْقِ والعَطاء والإبداع.

«تكفيهم كلمةُ إعجابٍ واحدةٍ تجْري كالبلْسَمِ الشَّافي على جراحاتهم الكثيرةِ الغائرةِ، تجعلُ الواحدَ منهم يشعُرُ أنَّ اغترابَه لمْ يضِعْ هباءً. همْ جميعاً الموْهوبُ والموْهومُ تصهرُهم بوْتَقَةُ واحدةٌ». (1)

لكن، ما أقلَّ المؤمنين في مدينتِنا هذا النوع الخاص من الإيمان، وإن كانوا يُصلُّون ويصومون، ويقرأون القرآن وجميع الكتب السماوية وغير السماوية!

في نفس العدد من الجريدة يذكر أحدُ أصدقاء “مكاوي سعيد” أنه كان يفرحُ كثيراً بآراء “مكاوي” فيما يكتبه وينشره، إلى درجة أنه قال: «لم تعد المبيعاتُ أو نفادُ الطبعةِ يهمني، كانت شهادة “مكاوي سعيد” هي ما اعتبرته جواز سفر لي في عالم الأدب».

في مدينتنا يعيشُ بيننا شبابٌ لا تهمهم المبيعاتُ، ولا نفادُ طبعاتِ مؤلفاتهم، وهم يملكون جواز سفر الأدب، لكنهم يعانون من الإهمال والإعراض، وينتظرون أنْ يمْنَح لهم المُسيْطرونَ التأشيرة فلا يظفرون بها، وزيادةً تُغْلقُ في وجوههم الحدود، ويُجابِهون عالم السدود والقيود.

لكن، أقول لهم:

وما نَيْلُ المطالب بالتمنِّي

ولكن تؤخذ الدنيا غِلابا

 

 

ــــــــــ

  • (1)خيري شلبي

 * ورقة تدخل في إطار مائدة مستديرة موضوعها (الكتاب والمؤلف مسيرة ألف ميل) من تنظيم رابطة الكتاب الشباب بالريف

ملق النشاط