الرئيسية - المقالات - غابة التاوفة بمرنيسة من مقاومة الإستعمار الى وجهة سياحية مهمشة

غابة التاوفة بمرنيسة من مقاومة الإستعمار الى وجهة سياحية مهمشة

لعب مركز “غابة التاوفة” بمرنيسة دورا هاما وشجاعا في مجال المقاومة المغربية واعتبر بحق إحدى أهم مراكز الجهاد التي تصدت للمستعمر الفرنسي بالتضحيات الفردية والجماعية. والتاريخ والآثر شاهد على تلكم الأدوار الطلائعية التي قامت بها منطقة مرنيسة في التصدي لجحافل قوات الاحتلال وهي تسعى الى بسط سيطرتها قسرا على هذه المنطقة الاستراتيجية والاقتصادية، وأن ما كان يحرك الإدارة الاستعمارية ليس فقط توسيع رقعة الاحتلال، ولكن استثمار خيرات المنطقة وباقي المناطق المغربية.
كانت مرنيسة من بين أهم المناطق المغربية التي عانت من التدخل الفرنسي نظرا لموقعها الاستراتيجي والجغرافي الهام الذي قد يمكن فرنسا من السيطرة على المغرب بكامله، واستغلال خيراته الاقتصادية وتأمين الطرق بين المناطق الساحلية والداخلية، وازدادت أهمية المنطقة باحتلال جزء كبير من البلاد لأنها شكلت حصنا لحماية المناطق المحتلة من هجوم المقاومين الذين كانوا ينطلقون من الجبال المجاورة.
بعد أن استدعت فرنسا قوتها الإستعمارية من تازة وزعتها على تلاث أماكن بمرنيسة، وجعلت من غابة التاوفة الواقعة بين تامششت وتيزاغت مقرا لإحدى كتائبها، وبرجا لمراقبة المقاومين وجيش التحرير، لكن سرعان ما التحق المجاهد محمد بن الحسن الفزازي بالمكان بعد استطاع أن يستولي على السلاح الذي كان بيد قائد مرنيسة والشيوخ والجماعة المسلمة إليهم من طرف الفرنسيين ليدافعوا بها عن أنفسهم، فكون مركز «تاوفة» بمرنيسة بجبال الريف، والتحق به عدد كبير من المجاهدين من القبائل المجاورة من إقليم الحسيمة وغيره،
وقد لعب هذا المركز دورا فعالا الى جانب مراكز أخرى والتي كانت تضم أشرس رجال جيش التحرير كمركز أحرور ببني عمارت ومركز إماثن بكتامة معززة بمثيلاتها بأقاليم تازة في التعجيل باعتراف الفرنسيين مرغمين باستقلال المغرب و برجوع جلالة الملك محمد الخامس رحمه الله وعائلته إلى أرض الوطن من المنفى البغيض حاملا لواء الحرية و الإستقلال. 
رغم كل هذه الجهود والبطولات التاريخية لم تشفع للمنطقة أن تنال حظها من التنمية، ورغم المكانة التاريخية التي تتمتع بها المنطقة لكونها المهد الذي شهد معارك شرسة بين جيش التحرير وقوات الإحتلال إبان  الفترة الاستعمارية، إلاّ أن ذلك لم يشفع لهذه المنطقة التاريخية أن تلحق بالركب التنموي، وتضع قدمها في مسيرة التطور الاقتصادي والسياحي والفلاحي مقارنة بالمناطق الأخرى، إذ ظلت مهمشة منسية تعيش على الهامش منذ خروج الإستعمار، إلا أنه بعد إعادة ترميم وتبليط الطريق الرابطة بين مرنيسة وتاركست في العشر سنوات الأخيرة، واستعمال هذه الطريق جعلت من غابة التاوفة وجهة للباحثين عن البياض كلما تساقطت الثلوج. إذ يقصدها أبناء المنطقة الراغبين في المتعة والإستمتاع بالمناظر الطبيعية الخلابة. 
فغابة التاوفة مكان يبدو خلاءا موحشا، لكنه يخفي وراءه عالما جذابا يأسر قلوب زواره، ومكانا رائعا جدا نظرا لما يزخر به من مناظر طبيعية خلابة، وجبال شامخة تزيدها روعة وجمالا، ورغم صعوبة الطريق المؤدية إليه فهو جدير بالمشاهدة، فسحر جمال المكان ينسيك تعب الطريق والتواء المنعرجات.
فهي مقومات سياحية وطبيعية لا تخطئها عين كل من زار هذه الغابة، حيث المناظر الخلابة وروعة التضاريس و عدد من الأحواض المائية تزينها بعض الزواحف التي تعيش بداخلها، وأنواع الطيور التي تحوم حولها، فضلا عن هدوء وسكينة يوفرها المكان لزواره، بالإضافة إلى اللوحات البديعة التي ترسمها أشجارها الكثيفة، خصوصا عند تساقط الثلوج، بالإضافة أيضا لغطائها النباتي المتنوع، وبقايا أسوار الثكنة العسكرية. غير أن هذه المنطقة تعيش الإهمال والتهميش من طرف الجهات المسؤولة، علما أنها منطقة سياحية بامتياز، إضافة إلى بساطة عيش سكانها وابتعادها عن مشاكل المدينة وصخبها.
يتغير كل شيء في كل بقاع المملكة، ولا يتغير الوضع بالمنطقة، التي تبقى ضحية لسياسة الإهمال والتهميش واللامبالاة المفروضة عليها، منذ الإستقلال، مما جعل المنطقة تعاني مشاكل هيكلية متعددة رغم توفرها على مؤهلات طبيعية وسياحية مهمة، بالإضافة إلى موقعها الاستراتيجي، فهي منطقة العبور حيث تتواجد على الطريق المؤدية لمدن الحسيمة طنجة تطوان. إذ يثير انتباهك دواوير مهجورة تعيش التهميش والنسيان والإقصاء من البرامج التنموية التي تشهدها باقي المناطق الأخرى من المملكة، بسبب تقاعس المنتخبين القائمين على تدبير الشأن المحلي داخل هذه المنطقة المعزولة والمنسية، والتي لا يزورها المنتخبون إلا خلال الفترات الانتخابية.

فسكان المنطقة أعلنوا عن سخطهم وغضبهم اتجاه المنتخبين، بسبب دوامة التهميش والإقصاء الذي تتخبط فيها منطقتهم، فبالرغم من حساسية المنطقة وموقعها الاستراتيجي والسياحي، فلا زالت لم تشهد بعد بوادر تنمية حقيقية، وظلت عرضة للتهميش و الإقصاء من البرامج التنموية التي تشهدها باقي المناطق المغربية.

كما تشكل الطرق والمسالك أحد أبرز المعوقات لتأهيل المنطقة وجعلها قبلة سياحية، وهذا بفعل تقصير المجالس المنتخبة في تشخيص الوضع والتركيز على هذا الموضوع الذي يعتبر من الأولويات، خاصة وأنه السبيل الوحيد لفك العزلة عن كثير من المناطق، وتخليصها كذلك من المعاناة ومختلف صنوف التهميش، إذ تظل المنطقة من دون طرق معبدة وممرات آمنة تعين السكان على قضاء مختلف حوائجهم في ظروف طبيعية.

صورة رائعة من غابة التاوفة بعدما التحفت بالبياض

هذا وتشتكي كذلك العديد من الدواوير بالمنطقة،من غياب طرق معبدة تزيل العقبات عن هذه الدواوير وتمسح شبح حوادث السير من الطرقات الترابية التي تتواجد بالمنطقة، ويطالب السكان من الجهات المختصة بالتدخل العاجل لوضع حد للإهمال الذي يطال طرقا ومسالك بالمنطقة، وهي تعيش في محنة ومعاناة لا تنتهي ما دام أن الجهات المسؤولة غير مبالية بالامر في وقت يتغنى فيه الجميع بفك العزلة عن العالم القروي وتقريب الخدمات الأساسية من المواطن.