الرئيسية - عمود القلم الأسود - حِوار سِرِّي مع طفل الجليد

حِوار سِرِّي مع طفل الجليد

اسمكَ : اسمــي ” المغربي المنسي “، الكل يعرفني دون أن أذكر اسمي، ملامحـــــي التي صبغها الجليد، ملابسي التي تحكي حكايات العناء، قدماي بدون حــذاء، ولهجة أمـــي التـــي يغلب عليها الحياء.

  عمركَ : صبي في العاشرة، لكن تجاعيد القَرّ تترك أثرا، وقساوة الحَرّ تترك أثــــرا،  وجفاء الوطن يترك أثرا حتى صار عمري من عمر أبي، هذا الحبيب الذي  ينظر إلى ” المغرب الأزرق ” و” المغرب الأخضر” فيتحسر.

        

عنوانكَ : جبال الأطلس، دوار الصابرين، لكن الأبواب غير مرقمة ولما الترقيم ؟  فنحن نعيش عيشة المفقودين.

نعم لما الترقيم؟ فلا أحد يطرق أبوابنا، بل يرسلون في طلبنا إلى سفح جبل، يسلطون علينا عدساتهم، ويفرقون علينا دقيقا وزيتا وغطاء، لكن أغطيتهم المهترئة تكشف عوراتنا أمام العالم، تكشف ما نعانيه من تهميش، من قسوة ومن إقصاء.

تمزقني ابتسامة أبي المحتشمة رغم الحريق المشتعل بداخله، يبتسم رغم كل ما نعانيه، أبي يخجل من الغرباء ومن عدساتهم التي تلتقط له الصور، أبي يتعفف لكن كاميراتهم لا تعرف الخجل، تمتهن التشهير به والتشهير بقارورة الزيت التي تطفو فوق كل احتياجاته.

يمسك أبي فتات الثروات الطبيعية وينطلق نحو حضن الطبيعة، فهي وان كانت قاسية عليه فعلى الأقل لا تُشهر به ولا تطلب منه أن يشكرها علنا وأن يطلب من الله أن يَمُدّ في عمرها كما يطلبون هم من أبي، يرفع يديه بالدعاء لهم منكسرا تتساقط بين كلماته ندف الثلج مواسية وخلفه العلم الوطني.

يخجل العلم الوطني، يعلوه الاحمرار من معونة ضئيلة لا تسد احتياجات شهور من العزلة، يخجل العلم الوطني من عدم مدنا بالخشب بدل تلك البطانية المهترئة التي لم يعد يرى لها أثرا إلا خلال مساعداتهم لنا، يخجل الوطن الذي ظن أنه كريما إلى حد احتضان أبناء الغرباء وأبناؤه يموتون بردا وجوعا، فلم يعد في الأوطان جوعى إلا جوعى الحروب ياوطني، فمن نحن إذن ؟

ذات ثلج وببراءة طفل متجمد قطعتُ غصن شجرة نمت بعيدا عن قسوة جبلنا، حملته فرحا إلى أمي، رميته في وجهها، استعطفتها أن تكرمه الليلة لتتدفأ به  فأنا ومن فرط فرحتي لم أعد أشعر بالبرد، رمقني والدي بنظرة توجس وخوف، فأنا طفل لا أعلم ما الغاية من منع الخشب عنا ؟ ولا أحفظ اسم الوزارة التي تهتم بالشجر قبل البشر ؟ فما فائدة الأشجار إن تجمدتنا نحن ؟ بل وما فائدة  الطبيعة بكاملها إن ماتت أمي.

سألتُ أبي ذات ثلج وهو مُنحي يحارب الصخور البيضاء الراقدة أمام عتبة بابنا :

لما أبصر قوافلهم يا أبتي ترقص فرحا لمعانقة الجليد، لما أراهم يقفزون ويسقطون، يتقاذفون الكرات البيضاء فيما بينهم، وندف الثلج تتساقط بحنان فوق وجوههم وهم ينظرون اليها بشغف ؟ لوحة جميلة ترسمهم فلما تقسو عليَّ أنا حبات الثلج ؟ أَوَ حتى الطبيعة يا أبتي تغازل ذوي القبعات الجميلة وتتنكر لنعلي الخفيف الذي لا يناسب أجواءها ؟

رمقني والدي بابتسامته المعهودة ومسح بيديه الكريمتين على رأسي وقال لي :

يكفيك فخرا يا بُني أنهم يصنعون من الثلج رجلا يتهاوى أمام أنظارهم، بينما أنتَ الثلج صنع منكَ رجلا يكبر ويكبر أمام ناظري.

فرحتُ حينها، وأحسستني رجلا صلبا بصلابة صخور الجليد التي طالما كرهتها، فالقسوة والحاجة تصنع من الصبيان رجالا، لكني لن أخجل مثل أبي، لن أخجل من المطالبة بحقوقي كفرد من أفراد هذا الوطن، لن أقبل بأن يجعلوا مني متسولا أمام عدسات كاميراتهم، فمن حقي أن أعيش عيشة كريمة تحفظ لي ماء وجهي، ولا نضطر كل شتاء أن نتربص بصوت مروحية لتخرجنا من عزلتنا وتعيدنا إلى خريطة الوطن.