الرئيسية - إبداع - كتاب: دروب مورسيا الضيقة (28)

كتاب: دروب مورسيا الضيقة (28)

  

يوميات شخص يسكن حلمه

هكذا أفسدت السياسة علينا متعة الحياة وتعبها

دخل رمضان في أول يوم لي بالعمل، حقول الإجاص تغطي المكان وتحجب الرؤيا، والصيف حار جدا. كنا نعمل بدون توقف إلى الساعة الثالثة والنصف بعد الزوال، وكان صاحب الضيعة يأتينا بين الفينة والأخرى يراقب عملنا ويحرس على عمله. كان يتسآل كيف يمكن للإنسان أن يعمل تحث أشعة الشمس تصل إلى ما فوق الثلاثين  دون مشرب أو مأكل؟ – ويركز على المشرب- كل مرة يزرنا فيها يطرح نفس السؤال ويعود أدراجه وهو يعدّ صناديق الإجاص المتراكمة على جدوع الأشجار بأحجام معينة، ليأتيها في الثانية بعد الزوال يشحنها في عربة الجرار يساعده واحد منا يمد ابنه بالصناديق الذي يبني الحاويات من أربعين صندوقا فوق العربة، يتعجب كل التعجب ويطرح سؤاله المعهود ويمضي، على أن نلتقي في يوم الغد

كانت فرصتي الوحيدة في العمل بعد شهرين كاملين من العطالة والحاجة وقلة الدخل، كانت شوارع Cavaillon تحكي نفس الموال في حسرة، وكانت الأزمة قد وصلت في الساكنة موصلها. فمعظم  الملاكين والفلاحين تركوا حقولهم من التفاح والاجاص للتلف بعد أن قل الطلب الذي كانت روسيا الاتحادية تشكل فيه الحيز الكبير. وكنا بذلك عرضة للبطالة والعوز نتيجة تناحر الكبار في السياسات الدولية، وهكذا أفسدت السياسة والحرب القذرة علينا متعة الحياة وتعبها..

 كان الشرق الأوسط يغلي، والكل كان  يتدخل في بلاد الشام -بطريقة مباشرة أو غير مباشرة- من أجل مصلحته، وكان لدخول روسيا في هذا الصراع أثره البالغ على المنتوجات الفلاحية الفرنسية الموجهة إلى السوق الروسية، بعد العقوبات التي فرضت عليها بعيد وقوفها مع بشار الأسد في حرب الكل ضد الكل. حرب ستخلف مأساة في البحر والبر،  إذ ستكثر صور اللاجئين الذين يقصدون أوروبا عبر تركيا واليونان، وتحاصرنا في عطالتنا صور الغرقى في البحر الأبيض المتوسط. صور جثث أطفال عائمة، ونساء مكلومة، ورجال يحملون حقائب الظهر ووجوه شاحبة…

 فجأة تحول المشهد إلى كارثة حقيقية بعدما حل فصل الخريف وبدت بوادر الشتاء الرهيب تدنو شيئا فشيئا، وقد تكدست الأجساد في الحدود الشرقية لأوروبا.. مشاهد أنستنا عزلتنا وعطالتنا في هذه البقعة من الأرض، وسلمنا بأمر الواقع. وكنا نعتبر من المحظوظين إن عملنا يوم أو يومين في الأسبوع…

كثر اللغط والصخب والكلام في القنوات التلفزية والإعلام، حول وضعية اللاجئين السوريين والليبيين والسودانين والمرافقين لهم بجنسيات مزورة عبر تركيا واليونان والحدود الشرقية لأوروبا. فاجتمع الساسة على طاولة من جثث الغرقى وأفتوا في الظاهرة كلاما فضفافا، ملؤه الخوف والفزع مما هو آت. فبين مؤيد ومعارض للخطط التي انبثقت من طاولة جثث الغرقى والعالقين بالحدود، كان الطرح أن يفرق هؤلاء المضطهدين بالتساوي على جميع دول الاتحاد الأوروبي، كجزء من الحل، حل أزمة اللاجئين.

عارضت فرنسا هذا الرأي الذي تبنته ألمانيا، التي كانت (ألمانيا) أول من رحب باللاجئين في أراضيها. ولفرنسا رأيها الخاص. فقد كثر في هذا الحين الكلام حول إمكانية تعرض فرنسا لهجمات إرهابية، خاصة بعد عودة مقاتليها فيما يسمى بالدولة الإسلامية بالعراق والشام (داعش) مختفين في هيئة لاجئ سوري، وهي لا تعرف كم عدد المقاتلين الذين يحملون الجنسية الفرنسية الذين يقاتلون في صفوف داعش بالعراق وسوريا، ولا تعرف هوياتهم حتى.  وأيضا بعد تنامي الفكر المتطرف لدى الفرنسيين الذي يتزعمه اليمين المتطرف  يحشد جيشه ويشحذ أنيابه لغزو فرنسا في الانتخابات المقبلة بكثير من الكراهية والعنف…

تلبدت السماء بالغيوم منذرة بشتاء موحش، تزداد الصورة قتامة ومأساة هناك في الحدود المجرية والنمساوية. ويزداد الضغط على أوروبا الغربية وخاصة فرنسا. ستقود وزارة الداخلية حملة واسعة لتطهير البلاد من الشبهات والمشتبه فيهم، ولم تجد أمامها إلا عديمي أوراق الثبوتية والإقامة. فانطلقت عملية الاعتقالات والترحيلات العشوائية، ففقدنا في ضرف أسبوع أربعة من مجالسنا، تم ترحيلهم الواحد تولى الأخر للبلد. كل هذا كان ينبئ بأننا مقبلين على أمر ما أكثر سواء مما نحن فيه، فباتت العطالة وقلة الدخل أمرا هينا ومعتادا مقارنة لما تعده لنا فرنسا وما نترقبه.

يتبع…

الناس في الخارج تعد الأرقام عدا تنازليا للاحتفال بالعام الجديد، أنا وحدي في الغرفة التي أكتريها وزملاء لي، أتفحص هاتفي متطلعا للأتي، غير مكترث لا بنهاية العام ولا ببداية آخر، فكل الأيام بالنسبة لي هي أيام تعد بالآهات، وكم من آهات لم يلتقطها العام الذي سنودعه بعد لحظة…