الرئيسية - إبداع - كتاب: رسائل حواء (الرسالة الثانية)

كتاب: رسائل حواء (الرسالة الثانية)

الرسالة الثانية

 الناقصة عقل ودين

عزيزي آدم..

ها أنذا أعود إلى شخصك  العزيز وأكتبُ إليكَ بقلم رجل لبيب. أنا أكتبُ مثل أذكى آدمي ينتسبُ إليكَ، فلا تقل لي أن قلمي أقل منه ذكاء، وأنه ناقص عقل، ولا تقل  عن حرفي أنه جرئ كافر وأنه ناقص دين !

فدائما تطعنني في الصميم وتلصق بي تأويلات واهية، فتمهل – رحمك الله- عند قراءة الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية الشريفة، أنتَ دائما تتسرع في فهمكَ وحكمكَ على الأشياء.

إذن من مِنَّا يشكو نقصانا في عقله؟ ومن مِنَّا يفتقد التريث في حكمه؟

التسرع – أيها الآدمي – ليس من شيم اللبيب الذكي.

صدقا لا أحب أن أدخل معكَ في صراعات واهية وفي مشادات كلامية، لكنكَ تجبرني على ذلك، فحالما انتهينا من قصة ” الضلع الأعوج ” وشرحت لك المعنى الصحيح والفهم المنطقي المقصود من الحديث الشريف حتى أشهرتَ في وجهي اليوم قصة ” نقصان العقل والدين ” وتتمسكُ بقشتك أنه كلام نبوي شريف لا غبار عليه.

نعم صدقتَ.. فكل ما تلفظ به سيد الخلق – عليه أفضل الصلاة والسلام – لا غبار عليه، الغبار يوجد فقط في النصف الأيسر من دماغكَ الذي يحجب عنكَ كيفية تحليل الأشياء والأقوال بمنطقية، الغبار تستنشقه كل يوم من الخزعبلات التي تعبقُ فيها حتى النخاع في احدى مقاهي الحياة.

اسمع يا ” آدم ” الحديث كاملا :  ” خرج رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمرَّ على النساء فقال: ” يا معشر النساء ‏تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار فقلن : وبم يا رسول الله؟‏ قال:  تكثرن اللعن وتكفرن العشير.

ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل ‏الحازم من إحداكن قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة ‏مثل نصف شهادة الرجل قلن: بلى  قال: فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟‏ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان دينها “.‏

أولا فالرسول عليه الصلاة والسلام قال قوله هذا في يوم عيد، وكلام الرسول كله طيب فما بالك في أيام الأعياد، من المستحيل أن يذمني الرسول الكريم في يوم مبارك كهذا، من المستحيل أن ينتقص من شأني وهو الذي حفظ لحواء مكانتها، استشارها وأخذ برأيها بل وكانت هي أول من هرع اليها في لحظة ضعفه وخوفه عند نزول الوحي عليه.

ثانيا.. عندما تطرق الحديث إلى نقصان العقل، فلا تفهم من خلال ذلك أنه ينتقص من قدراتي العقلية – كما تفعل أنتَ – .. أو أني أقل منكَ ذكاء، بل بالعكس، فكم من آدمي لا يفقه شيئا مما يُقال، وكم من آدمي غبي لدرجة الذهول، والنماذج كثيرة.

وقد تبين من عدة أبحاث أن عاطفة المرأة والظروف المجاورة والأحداث التي تعيشها تؤثر على ذاكرتها، ففي فترة الحمل مثلا أتعرض لانخفاض في الذاكرة، ولبعض حالات السهو، لأن دماغي يفرز مادة مخدرة مهمتها العمل على التخفيف من ألم الولادة الذي لا يعادله ألم، فهل فهمت الآن لما كانت شهادتي تعدل نصف شهادتك يا ” آدم ” ؟

أتستطيع أنتَ يا من تزهو وتفتخر بكمال العقل والدين أن تتحلى بالقليل من حنكتي وصبري ورضائي بقضائي؟ أتستطيع أن تصبر على ما أعانيه من ألم مخاض ومن مشاق التربية ومن تعقل أمام نزواتك وخياناتك ومراهقة أطفالك ومرضكم جميعا ؟

طبعا لا،

فهنا يكمن العقل وهنا يُحتسب الأجر ويكتمل التدين.

أما عن ” نقصان الدين” فهي مسألة بديهية مفروغ منها، فهكذا تم خلقي وهذا هو تكويني الفيزيولوجي، والمُشرع بَيَّن طبيعتي وأوجب لي رُخصا استغِلُّها لعذر شرعي، أصوم وأصلي وأمارس جميع طقوسي الدينية وأحافظ على علاقتي بربي لكني أمتنع عن ذلك في فترات مذكورة في الكتاب الكريم ولا اثم عليَّ، بل وعلى العكس تُؤثم أنتَ ان تركتها.

أتعلم يا  ” آدم ” تمر عليَّ فترات تمنيت فيها لو أني لم أرتبط بكَ عاطفيا لأنكَ تذمر بانتقاداتك وكلماتك الجارحة كل المشاعر الجميلة التي أكنها لكَ.. لكن رغم ذلك أعشق فكرة الاقتراب منكَ.. فكرة الإنجاب منكَ.. وفكرة أن نشيخَ معا، هنا وفي هذه النقطة بالتحديد  أظنني ” ناقصة عقل ” فعلا لكن لا حيلة لي أمام قلبي الضعيف الطيب.

في آمان الله يا ” آدم ” ودُمْتَ كما أنتَ بالنسبة لي.

اللوحة للفنانة حنان الحمداوي

  نوال غـــــــازي