الرئيسية - المقالات - حمو دميمونة الميت الحي في ذاكرة مرنيسة

حمو دميمونة الميت الحي في ذاكرة مرنيسة

يقال بأن الفنان هو بمثابة الشمعة التي تحترق من أجل أن تنير للآخرين طريقهم، بهذه العبارة يمكن اختزال ما عانه الفنان حمو المرنيسي   حيا وميتا في ظل الاهمال و تكريس ثقافة النكران حيث قضى أزيد من 40سنة في خدمة الفن، تحدى من خلالة كل الموعقات والعراقيل لإدخال البهجة والسرور على الآخرين، لينتهي به المآل في هامش التاريخ كأنه لم يكن من قبل. وضع صحي مزري عاشه آخر أيامه دون أدنى إلتفاتة، ووضع آخر اجتماعي ليس أقل من الأول سوء، شح في التأريخ والتدوين بل حتى في صوره، لتبقى هذه الحالة و غيرها من الحالات الاجتماعية لشخصيات مرنيسية كبيرة قضت في صمت أكبر وصمة عار على جبين المسؤولين والإعلام والمجتمع.
حمو المرنيسي المشهور بحمو دميمونة رأى النور في عشرينات القرن الماضي بدوار بوشن ب قبيلة مرنيسة ، اشتغل بالفلاحة وتربية المواشي كسائر شباب القبيلة، رمى أولى خطواته على التمثيل والمسرح بداية الخمسينات، جمع بين التمثيل والكوميديا والتنكيت و”التبراح” وقرع الطبل رفقة فرقة “الغياظة” المحلية. كما تميز بحسه الهزلي، الذي يشد إليه الكبير قبل الصغير.
في ضرف سنوات قليلة أضاءت نجمة حمو دميمونة سماء مرنيسة قبل أن يذاع صيته سماء المغرب بأكمله، فأينما حل وارتحل تجمهر الناس من حوله وأنصتوا إليه بانتباه شديد، بل إن ساحات حفلات الأعراس والمناسبات الوطنية التي كان يدعى إليها الفنان حمو، كانت تكتض بالجماهير المحبة لشخصيته، والتي كانت تحضر من كل حدب وصوب، إذ وجد في هموم ومعاناة المجتمع المرنيسي كنزا ثمينا ينهل منه موضوعات تمثلياته.
حمو دميمونة هو فكاهي ومنشط شعبي معروف في الأوساط الفنية بحضوره الدائم في الحفلات و المناسبات. حيث قام خلال حياته بالتنشيط الفكاهي، و إدخال أجواء الفرجة والضحك في الحفلات الفنية والمناسبات لمدة تزيد أربعين سنة، استطاع بفعل روحه المرحة و عفويته وبساطته أن يدخل البسمة إلى قلوب عدد من عشاقه و معجبيه في تاونات والنواحي، أحبه الصغار فعشقه الكبار، كما سجل مشاركته مع عدد من فرق موسيقية محلية ووطنية، وعُرف “حمو دميمونة ” بأدواره الهادفة وفنه الملتزم. فقد عالج واقع المرنسيين أنداك بطريقة هزلية من دون المساس بشعورهم.
وشكل الفنان حمو إلى جانب زميله عليلو ثنائي أضحك كل من حضر تمثلياتهما وأدخل البهجة والسرور في نفوس الصغار والكبار بفكاهته الراقية.

ومن خلال حوار قصير أجريته مع الأستاذ عبدالواحد الذهبي، الباحث في التراث الجبلي، حدثني أن هذا الثنائي مثل تمثيليات في السخرية ونقد بعض الموضات الجديدة والدخلية على المجتمع المرنيسي، كما مثل عن ” الشوالة” أي الحصادة الذين يهاجرون إلى الغرب أو الشاوية من أجل الحصاد، وعند عودتهم مثلا يدخلون إلى المقهى فيقوم المعلم بتحذيرهم من شرب الماء لأنه سيضيفه صاحب المقهى الى الفاتورة …إلخ. كما كان لحمو تمثيليات حول دخول البنات إلى السينما في أواخر الخمسينات، فيك أولا نفيك، وأكل الزريعة، وعن الخمر . كما كان له قصائد حول الحرب العالمية الثانية واحدة بعنوان”مريكان مول الفتنة” و “دايداني هيداني” وقصيدة مؤثرة حول زلزال أكادير  (أكادير مسكينة وصبحت روينة…)، كما اشتهر في البداية كعازف على  الدف (البندير) والقصبة.
إشتغل الفنان حمو المرنيسي مع فنانين كبار وعلى رأسهم مرجعية العيطة الجبلية الفنان المرحوم محمد العروسي، وحضر رفقته عدة أعراس ومناسبات، كما اشتغل منذ بداية الثمانينات مع الفنان بوعلام الصنهاجي وصال وجال رفقة الفرقة.
رحل حمو في صمت كما عاش في صمت دون أن ينال من الفن، بعد أن حلق في سماء “اشعايب ” أكثر من أربعة عقود. لم تنته السنون عن قناعاته، أو تجعله يتخلى ولو لحظة واحدة عن قيمه ومعتقداته، لم تغويه إغراءات على العدول عن صنع الفرجة وإدخال البهجة والسرور على النفوس، ولم يثنه مجد عن الخط الذي رسمه لنفسه، كان يدرك بشفافية وثاقب فكره كل شيء إلى الزوال، فلم يخفه الفقر، ولم يكسر من علو نفسه قسوة مرضه في آخر أيامه، كان كل همه أن يظل يحمل شعلته ليضيء بقعة الآخرين، كانت حياته خليطا من البساطة والسماحة ونكران الذات، قلبه بحجم الريف، لا يعرف حقدا ولا حسدا ولا كرها، يجمل الوضع في نكتة ليُدخل بها البسمة على الآخري، ولا يودع الحفل إلا والجميع مبتسما.
اسمه ظل وسيظل منقوشا في ذاكرة أهل مرنيسة، كان مميزا بلباسه الغريب في ساحة العرض أو التمثيل  “البساط” مقلدا للأصوات، مع العِلم أن التقليد ليس بضاعته الوحيدة، ولا الطبل الذي يقرعه، بل أيضا ممثلا مسرحيا بامتياز، وصاحب نكتة، ومخرج قصائد، رجل عفوي رفيع ذو  عقل نبيه وبساطة مبهرة، ود وحب يسعان الجميع، كلامه خاليا من رتوش التصنع ومساحيق التجميل. نكتته طازجة بشكل منتظم ووليدة اللحظة.
كان آخر ظهور لحمو دميمونة سنة 2008 عندما وجهت له الدعوة لحضور تكريم الفنان محمد العروسي من طرف جريدة صدى تاونات  المحلية  بطهرالسوق مسقط رأسه، إلى جانب مجموعة من رواد العيطة الجبلية كبوعلام الصنهاجي وشامة الزاز وعبدالرحيم التاوناتي وآخرون.
رحل الفنان حمو المرنيسي إلى دار البقاء بعد مرض ألم به، مساره الفني الطويل قوبل بالجحود المعروف ونكران الجميل. فلا من يملأ فراغه أو يحل مكانه، أو حتى من يرد اعتباره. فرغم هذه المكانة التي كان يحتلها كواحد من الرواد داخل ساحة الكوميديا بمرنيسة لم ينل حظه، ولم يأخذ حقه كاملاً أو بالتساوي مع مكانته الفنية، بل أن العديد من من عايشوه وعاشو معه عن قرب من أصدقاء مقربين يؤكدون أنه عانى في صمت مريب مع مرضه، وأن ما قدمه للفن والتراث قوبل بالجحود من طرف القائمين على الشأن المحلي والجهوي، عانى في صمت، فلم تبالي به الجهات الوصية، بقي هو صامتا كما اعتدناه، يعاني الويلات دون أن يلجأ لأحد ليعينه على تحمل عبء الحياة.
حمو  دميمونة موهبة كبيرة في الكوميديا فجر انهار أصواته الكثيرة على ساحات اليساط في الحفلات المناسبات العائلية والوطنية،  ولعب نوعه في التمثيل (اشعايب) لسنين طويلة، ولم يعترف به الخائنون للإبداع والحياة.

الصورة: منظر عام لمركز طهر السوق القلب النابض لقبيلة مرنيسة (مأخوذة من الأنترنيت)