الرئيسية - عمود القلم الأسود - جلي بوه وتهنى منو

جلي بوه وتهنى منو

في فجر الاستقلال، وأثناء انتفاضة الريف  سنة 1958-1959 جابت عبقرية المخزن المغربي بأن أحسن وسيلة للقضاء على التمرد أو أي حركة احتجاجية مستقبلا، وخاصة في المناطق المهمشة والهامشية، هي دفعهم للهجرة ومغادرة البلاد، سواء كانت الهجرة داخلية أو خارجية، مع الرهان على أن تكون خارجية. وقد عرفتنا كتب التاريخ على كيفية تهجير دواوير ومناطق –معينة-  بأكملها إلى أوروبا إبان الاستقلال، مع إعطاء الأولوية للمتمردين.

ففي كتابه الريف بين القصر وحزب الاستقلال وجيش التحرير، يلخص لنا مصطفى أعراب معضلة الهجرة الدولية إبان انتفاضة الريف نهاية الخمسينيات من القرن الماضي بكثير من التفاصيل والوقائع، وكيف أن الدولة (المخزن) قد سهلت عملية الحصول على جوازات السفر للريفيين الراغبين في مغادرة الوطن والهجرة إلى أوروبا قصد العمل،  وكيف تم إخماد نار الغضب التي كانت تشتعل في نفوس المهمشين من الريفيين الثائرين أنداك. ضارب (المخزن) عصفوريين بحجر واحد، وهما تهدئة الأوضاع مؤقتا، وكذا تنمية المنطقة ذاتيا بعيد عن مسؤولية الدولة، وذلك عبر إدخال العملة الصعبة وعائدات العمال والحولات التي ترسل إلى الأهل بالبلد الحديث الاستقلال. وقد تسنى للمخزن ذلك. وامتلأت معامل وضيعات هولاندا وبلجيكا وألمانيا وفرنسا باليد العاملة من الريفيين  الثائرين ترسل كل شهر حولات تساهم في استقرار أحوال الأسر التي كانت بالأمس تطالب بالحقوق الاقتصادية.

هذه الهدنة المؤقتة لم تدم طويلا، ففي 1984 ثارت جماهير الريف من جديد في الناظور والحسيمة والقصر الصغير، وقد لجأ المخزن إلى ما لجأ إليه سابقا، وعسكر المنطقة، وتدخل فيها أمنيا وأسقط من أسقط من شهداء لقمة العيش. وعمل إدريس البصري أنداك على  تهجير الباقي من السكان. فقد جعل كل ريفي يقصد جواز السفر الأولى به من غيره من سكان المناطق الأخرى، في فترة كنت قد تحصل فيها على كنز عوض حصولك على جواز السفر،  وذكر  أن قيمة الصفقة  للحصول عليه بلغت مليون سنتيم في بعض المقاطعات والقيادات، فيما كان الأمر جد سهل بالنسبة للريفيين قصد تهجيرهم قصرا إلى معامل الذل والعار، كي لا يطالب منهم أحد بحقوقه في وطن مهضوم الحقوق كان يحكم بالحديد والنار.

وفعلا تم للمخزن ذلك، فقد خلت الدواوير من ساكنيها، وعرفت الهجرة الخارجية أوجها، وأصبحت المداشر والقرى يسكنها النساء والشيوخ عوض الشباب الذين كانوا يملؤون الفضاء حماسا.

وبما أن لكل هدنة وقت معين، فقد انقضت هذه الهدنة المصطنعة أيضا، وخرجت جماهير الحسيمة المنسية وجرادة المهمشة تنادي بالحقوق والكرامة بداية 2017، ولم ينفع الحل الأمني في إخماد نار الاحتقان، فعادت حليمة لعادتها القديمة. فامتلأت القيادات والمقاطعات بملصقات تطلب نساء للعمل في الضيعات الإسبانية بأجر مغري قد يغير نمط العيش لدا المستفيدات، مع التركيز على نساء المناطق المهمشة، وخاصة جرادة الجريحة. وقد تداولت صفحات البوق المخزني والمواقع الالكترونية الموالية لطروحاته، هذه الملصقات بشكل مكثف في الآونة الأخيرة، مع توجيه الخطاب مباشرة لنساء جرادة. في حين غابت الإشارات لنساء الحسيمة والريف. فالمخزن والأبواق التابعة له يعرفون أن النساء الريفيات لا يقبلن بهذا، ولن تكون  الهدنة المصطنعة التي يتوخاها المخزن على أكتافهن، وله  (المخزن) في هذا ماض كذلك. فقد رفضت النساء الريفيات في الحسيمة والناظور وتازة هذه العقود سنة 2007 في بدايتها، مطالبين بتوفير فرص الشغل للرجال وليس للنساء، رافضات بذلك الهجرة وترك الأسر مشتتة بين وطنين…

توجيهات لا يمكن أن نقول عنها سوى أنها حلول ترقيعية حين يعجز صاحب القرار على إيجاد الصيغ الملائمة لحل المشاكل التي تعاني منها المناطق الهامشية من الوطن الجريح. وتعمل كالأب الضال الذي لا يجد حلا لإبنه العاقل سوى أن يطرده من فضاءه ليمارس فنون فساده الأخلاقي والأجتماعي.