الرئيسية - إبداع - كتاب: رسائل حواء (الرسالة الثالثة)

كتاب: رسائل حواء (الرسالة الثالثة)

الرسالة الثالثـــة

الكيد العظيم

عزيزي آدم..

أتعلم أنني كلما قرأت سورة ” يوسف” أرتاح نفسيا، فكما تحققت رؤياه عليه السلام بعد سنين طويلة من الابتلاء أشعر بأن كل آمالي أنا أيضا ستتحقق باذن الله.

 لكني عندما أصل الى قصة امرأة العزيز وكيدها هي ونسوة البلاط لسيدنا يوسف واقرأ قوله تعالى ” فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ “ أشعر بالحزن لأن المكر سيظل مصاحبا ل “حواء ” مادامت تمشي الى جانبك على خط واحد.

هذا ما أستشعره، بل هو ما تحاول تذكيري به بين الفينة والأخرى، وأنه لا ثقة لكَ بي مهما طالت بيننا السنوات ومهما جمع بين قلبينا من أحاسيس، لا لشيء سوى أنكَ مُتيقن أنَّ كيدي عظيم ومُخيف وأنكَ لم تأتي بهذا من عندكَ بل هو مذكور في الكتاب الكريم.

لقد أساء الناس فَهمَ الآية المذكورة، فهي نزلت في حَقِّ النسوة اللواتي كِدْنَ لسيدنا يوسف بصفة خاصة، ولم تنزل في حق النساء بصفة عامة، فالكيد ليس حكرا على جنس دون آخر، والكيد ليس كله كيدا عظيما.

نعم أعترف أن ” حواء ” تتمتع بذكاء فطري، وأنني أصل إلى مبتغاي ربما في بعض الأحيان بوسائل تبعث على الدهشة، أستعمل كل وسائلي الدفاعية لأبقيكَ بجانبي، ويمكن أن أُقِيم حربا بكل معداتها النووية كما تُعلنها أقوى الأمم إذا أحسستُ بالغيرة أو بخطر يهدد أسرتي ويهدد بسلبكَ مني، ويمكن أن أغريكَ بكل الأساليب الشيطانية، ويمكن أن تقع في فخي ببساطة شديدة، لا لشيء سوى لوقع سِحْرِ كلماتي عليكَ ولإغراءاتي الأنثوية. لكن هذا ليس عيبا ولا حراما، فأنت تستميل عن طواعية وبرغبة منكَ وعن طيب خاطر.

قد أكون ضعيفة بدنيا، لكني أملك بدواخلي هاته الأسلحة الناعمة التي لا يمكنكَ أن تستوردها أو حتى أن تُصَنِّعَها ولو درستَ ألف سنة، لكنها لا تصل إلى درجة المكر والخداع، فهناك ” الكيد الطيب “.. نعم طيب مثلي، لا يؤذي من يحب.

فلا تحتكر الكيد على جنس ” حواء ” ، فهذا غير منطقي على الإطلاق، ولا تنسى أن الله سبحانه ابتدأ سورة يوسف وقبل سرد قصة نسوة البلاط وامرأة فرعون قال وهو أعز من قائل: ” قَال يا بنَي لا تقصص رؤياك علَى إخوتك فَيكيدوا لَك كَيدًا إِنَّ الشيطان للإنسان عدوٌّ مُبِين”.

فإخوة يوسف كلهم ذكور، ومع ذلك كادوا له كيدا عظيما، كيدهم شيطاني حركه شعور الكره والحقد الدفين. إذن لما تجعله حكرا عليَّ أنا فقط  وتناسيتَ هؤلاء ؟

وستقول لي يا ” آدم ” وماذا عن قوله تعالى ” إن كيدكن عظيم “ وقوله أيضا سبحانه ” إن كيد الشيطان كان ضعيفا “ ؟

لا عليكَ هذه  الرسالة المشفرة قد توصلتُ بها بكل أمانة، فأنتَ تُحاولُ أن تُمَرِّرَ لي أن كيدي أعظم من كيد الشيطان، لأن كيدي أنا عظيم وكيده هو ضعيف، وهنا تذكرتُ حينما قرأتُ يوما لأحد العلماء الذي قال : ” أنا أخاف من النساء أكثر مما أخاف من الشيطان، لأن الله تعالى يقول: (إن كيد الشيطـان كان ضعيفا) وقال للنساء: (إن كيدكن عظيم)”، تشابهت أنتَ وهذا العالم – غفر الله له – في ظلمكما لـ ” حواء “.  

لكني أنا شخصيا اقتنعتَ بكلام أحدهم عندما حلل هذه المسألة بعقلانية فإليك ما قاله: ( إن قوله سبحانه: ” إن كيد الشيطان كان ضعيفاً ” هو من إخبار الله، وقوله حق لا شك فيه ولا ريب، ولا يحتمل التصديق أو التكذيب، بل يجب الجزم بكونه حقا صدقا لا مرية فيه، بينما قوله: ” إن كيدكن عظيم “ هو مما حكاه الله على لسان العزيز في قوله سبحانه: ” فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ “. فالقائل هنا هو العزيز بخلاف الآية الأولى، وجائز أن يكون ما قاله العزيز حقا، وجائز أن يكون مبالغة، وجائز غير ذلك. فقد حكى الله أقوالا كثيرة على ألسنة عدد من البشر، منها ما هو حق ومنها ما هو باطل، وقد صدّق الله بعضها، وأبطل بعضها، وسكت عن بعضها، ومن ذلك مثلا قوله سبحانه: ” قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ “).

 إذن فلتعتقد ما تريد، ولا كلام يُقال  يا ” آدم ” بعد الذي سَردتهُ الآن، فتحية مني اليكَ، ودُمْتَ عزيزي رغم كل شيء.