وأد الكلمات

 
هم أشخاص اختفوا منذ مدة عن مجالك البصري، لسبب أو لآخر، أو حتى دونما سبب واضح، واختاروا حزم حقائب ذكرياتكم المشتركة وتركها في مستودع عتيق في الشارع الخلفي لذاكرتهم، وأصيبت هواتفهم بخرس فجائي جعل أي تواصل بينكم شبه مستحيل، لكنك رغم كل شيء، تعجز عن تسلق بئر أوهامك، ومنع انفلاتك القلبي وتجمهر مشاعرك من أجل مناهضة طمسك لمعالم ما كان يجمع بينك وبينهم، لذا، ترغب مرارا في أن تتخطى حاجز الصمت وتكسر حصار الكلمات لتبوح لهم بما يخالجك من أحاسيس..
لكنك في كل مرة، تعدل عن قرارك في البوح لهم بما يعتمل في صدرك وتقرر السكوت، رغم شعورك في أحايين كثيرة بأنك تشبه إلى حد بعيد مدخنة بركان مشاعر خامدة منذ سنين، بركان يتأهب للانفجار في أية لحظة، ويهدد بصهر كل الأحاسيس المتحجرة بينكم، والمفارقة هي أنك كلما أوشكت على الإنفجار بوحا، تدرك أن فوهة بركانك لم تعد قادرة على إخراج شيء عدا رماد ذكريات..ولهذا، فمن المستحيل أن تصبح تربة أحاسيسهم تجاهك خصبة من جديد، وكيف لا، وهم مصابون بجفاف عاطفي، ويعانون من متلازمة تصحر المشاعر؟ هم الذين أثبتوا لك من قبل أن حبك قابل للطرح بالنسبة إليهم شأنه شأن أي منتج رخيص، فكيف لك أن تظل جامدا في مكانك كمستحاثة عاطفية، عاجزا عن المضي قدما في طرقات النسيان، فقط لأنك لا زلت مؤمنا بنظرية الوفاء التي دحضتها مرارا وتكرارا نظريات الغدر والخيانة وبرهنت عن نسبيتها بل وعدم جدواها في هذا الزمن..
ولأنك تستحق أن توضع في متحف الكائنات الوفية المنقرضة منذ زمن بعيد، تتمسك بذكرى أناس اختاروا الصعود على متن سفينة اللامبالاة وبذلك صارت قلوبهم بعيدة عنك بما لا يقدر من مسافات وعُقد بحرية، وتلتصق بجدار الأماني وترفض بشدة مغادرة ميناء الشوق، متمسكا بالإنكار ومعللا تشبثك بمن أخرجك من حساباته العاطفية بأن الحب لا يقاس بالمسافات، لأن المسافة مجرد حجة غياب سرعان ما تسقط أمام قضاة الحب، لتبقى إلى أجل غير مسمى في قاعة الترقب ورصيف الإنتظار، وفي كل ليلة، تتسكع بين الذكريات التي تأبى التخلي عنها بدعوى أنك لم تعد تملك غيرها، وتتألم لأنك تخضع نفسك بمازوشية لجلسة تعذيبية عبر استحضار ذاك الماضي البعيد جدا، ففي الحب، يتألم أولا وأخيرا من أحب كثيرا..
العيش مع صندوق الذكريات هو عقوبة سالبة لحريتك، وانتظار من قذف بذكراك في سلة مهملاته العشقية هو أكبر هدر لكرامتك، لكنك أدمنت الإنتظار، لذا كلما دعاك أحدهم إلى قطع الطريق على الحنين الذي ليس سوى قاتل مأجور، وطرد تلك الذكريات التي أمست تشبه إلى حد كبير مسوخا مشوهة تتجول بحرية بين جنبات ذاكرتك، تزداد تمسكا بكل أولئك الذين يعانون من قصور عاطفي..
وفي قمة لوعتك، وعوض أن تقذف بذكرياتك بعيدا، تقرر أن تكلم من هجرك مهما كان الثمن، المهم هو أن تعترف له بحبك، بجنونك به، بعجزك التام عن نسيانه.. علك بذلك تتمكن من إعادة تدوير مشاعره الصدئة، وبيأس، تمسك هاتفك، كمن يمسك نردا ويلقيه ومعه يلقي جميع الإحتمالات..وفجأة، تدب الحياة مجددا في الأوصال الهاتفية بعد تاريخ من القطيعة، ومع كل رنة، يخفق قلبك المترقب بسرعة جنونية ، تعيد ترتيب تلك الكلمات التي قضيت ليالي بيضاء في خطها بماء قلبك، وعندما يجيبك صوت من أضعت فصولا من التخبط لأجله ككرسي هزاز، تستفيق من بياتك العاطفي بعدما تعي أنك تتحدث مع جبل جليدي ، شخص لم يستحق يوما نضالك من أجل إبقاء ذكراه حية بداخلك، والمؤكد أنه لا يستحق حتى تلك الحروف والكلمات التي خططتها لتقولها له والتي اقتاتت لمدة طويلة على وجعك، وبغتة، يلقي الصمت الرهيب بظلاله، لأن البوح بدوره، يفضل اللجوء إلى الصمت على أن يتم اغتياله على يد إنسان لا يستحق أن توجه له حرفا واحدا..غريب كيف أنك تقوم بوأد حروفك وكلماتك كي لا يكون مصيرها هو الموت على يد من لا يأبه بها..ذاك أن معظم الكلمات تختار الموت الرحيم وتفضل ألا تقال وتموت بداخلك، على أن تقال وتستحيل إلى أشلاء بسيوف من لا يعيرها أدنى اهتمام..