الرئيسية - عمود القلم الأسود - كنا مسيحيين نوعا ما

كنا مسيحيين نوعا ما

عين النصراني “خميس” كما جاء على لسان جدتي ذات ظهيرة صيفية مملة، تختلف الروايات التاريخية، لكنني أصدق جدتي، لأنها  أكثر صدقا والوشم على ذقنها ختم سماوي على سدادة أقوالها، كما أن جدتي لا ترتدي جلباب النجومية، تجود على الحاضر بمعلوماتها دون الحاجة لورقة تقديمية وشكر نمطي.

يتكئ على خد العين المشع نهرٌ، نهرٌ أسود، أكثر بهاءً وصفاءً من أنهار الشعراء الحليبية، مشكلٌ مما يخلفه المجتمع من بشريته، ومن تنبؤات منظمة الصحة العالمية. كنا نعترض طريق المخلوقات المتجهة نحو حتفها مسجونة داخل عازل طبي ونعيد نفخ البؤس فيها، ونحررها من سجنها الطبي، ونصلح غلطة الوالدين. يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر، وفي نهرنا الأسود المقدس ما لا يوجد في النهر والبحر وبحيرات السماء. عمدتنا الطبيعة الأم بمائه المبارك، غطسنا فيه حتى زالت خطيئة آدم (الأب) وحواء (الأم)، خطيئة إحضار الورد في حفلة أبقار. متنا في الواد الحار، وحيينا على الهامش. أعلنا انتماءنا للشيطان عوض الناصري. لم نكن آدميين كفاية لنميز بين الشيطان والمسيح، كل ذنبنا أننا قبلنا أول يد مدت لنا، بينما كان الناس يتنازعون حول ثمار الفردوس.

الأطفال ملائكة، لم نكن أطفالا، مخلوقات صغيرة، أصغر من دعوة مؤمن وأكبر من أمنية عاشق، تموت كل يوم سبعين مرة، تنبعث من الرفات، قساوسة بالرغم من أنف معمودية النصراني «خميس». أزهار شر سقطت من مزهرية هرمس، كلما جاء مطر مؤكسد انبثقنا من الجراثيم كالجراثيم.

عمدنا على يد حنّا (الأم) المعمدان في نهر الشؤم. نحن خطايا الناس والمضحى بهم ليغفر لهم. شرب الوجود في مآثم الولادة كأس المآسي وكسره، تشظى الزجاج قطع بؤس صغيرة، علقت في ذواتنا بالعدل.

وانطلقت الترانيم تبكي على فراق هيباتيا(حكيمة الحي):

أيها الزمان المشؤوم

خد قرابينك

حولها نارا ويحموم

خد طعامك

التهمها وأبصق في الجحيم

أيها القدر الكريم

قم بسُخريتك، قم بسُخريتك

أيها القدر الكريم

قم بسخريك، قم بسخريتك…

وانطلق العزف على أوتار كمان، وقرعت طبول الحرب، جيش مدجج بالأسلحة الثقيلة ضد براعم. كمن يصارع انعكاس صورته في مرآة. يطارد الجميع رغبات شاذة.

أفرحي يا سجون، هاهو الخلف المشؤوم، لخير سلف مجرمين على أبواب التقاعد. هاهو المجتمع يدفعنا إلى الهاوية كعربة تبيع الوهم. لهم الحياة ولنا الموت على الصليب.

عصافير حاولت الطير، فجمدها صقيع الهُم، تحولت إلى مَثل يضرب، مثل يتجنبه الراوي. جمل بؤس يستحضرها الشعراء والكتاب المنبوذون، المطرودون من الصفحة، ليحصلوا على فرصة الاقتحام.

لم نجد الحليب في أثداء أمهاتنا، تبخَر الحليب بلهيب الزمن، فكان العلقم في واحدة، واليحموم في الأخرى. نضجت الجحيم داخلنا بعدما أطعمها المجتمع فحما دسما من الحقد والتهميش. خرجت القنابل البشرية تمشي بين الناس، تدمر ما تراه بني على أنقاض انسانيتهم. واحد من القنابل ظل السبيل، واقترف لعنة المداد، كان سيفه قلم حاد يوجع القراء، يستفزهم، يوهمهم أنه يكتب لهم، ليأخذهم إلى ركن خفي في النصوص، ويمتص دماءهم على مهل، بينما يدمر ما أخذوا منه عندما كان فكرة تطور نفسها لعلها تنتج المعنى. في حين اختار باقي معتنقي مسيحية الواد الحار الدمار المادي، كلما حدث انفجار، لطم العالم وجهه، ولول وتساءل باندهاش:

من المسؤول عن هذه التشوهات الإجتماعية؟