الرئيسية - إبداع - تائه في أرض بلا مكياج

تائه في أرض بلا مكياج

 جواد الخرازي

ها هو الليل يضاجع المدينة من مختلف منافذها ومداخلها معلنا على الوافدين ليلة تعيسة بئيسة ومصير دامس، وها هو التائه، التعيس، الشقي… كعادته عائدا إلى المدينة بجسمه النحيف ونظرته الثاقبة وعيونه السوداء وتشاؤمه الذي لا يمكن إلا يكون منطقيا ومعقولا ومبالغ فيه.

 تكلم السفيه الذي يتولى قيادة سيارة الأجرة، وقال: هناك العديد من حواجز الدرك، لاشك أن الملك قد حل بالمدينة، لأنه في الأيام العادية لا يوجد لا درك ولا أمن.

 استمر في الحديث والضجيج دون توقف، في المقعد الأمامي كان يجلس شاب وسيم وازدادت وسماته عندما بدأت الفتاة أو المرأة ـ ومن يدري حالتها ـ التي تجلس بجانبه بالتقيؤ العلني، وانتشار رائحة الطعام بأثر رجعي.

 جلس الشقي في إحدى المقاعد الخلفية للتاكسي مع ثلاثة من الحيوانات الناطقة، واحد على يده اليسرى منهمك بمغازلة أنثى ومضاجعتها عبر هاتفه النقال، ويرى التائه أن هذا النوع من الذكور أغبياء يقضون نصف يومهم في مغازلة الإناث في الهاتف دون الوصول مصنع إنتاج الأطفال.

 أما على يده اليمنى فقد جلس ذكر يشبه في وجهه المومياء، يرتدي جلبابا وزانيا، لا يتكلم فقط يكتفي بالتنهد، وامرأة شمطاء ترتدي العديد من الملابس والألوان وتضع يديها بين فرجيها وحقيبة سوداء على فخذييها، وتنظر إلى الركاب أجمعين نظرة حذر وخوف، وكأنهم قاموا باختطافها للتو أو يقومون باستدراجها إلى خربة معينة لاغتصابها أو نظرتها تلك توحي بأنها في طريق نحو المجهول.

لكن انظر إلى الشقي غير مبالي بأنه يسير نحو المجهول ولا يفكر في الحل للمأزق حتى يسقط فيه، بل عندما يريد الرحيل يرحل دون تفكير وبلا استشارات، ولا يهمه من يركب معه، فهو لا يهتم إلا بمقطوعاته الغنائية الكلاسيكية وكتبه.

 وصلوا إلى محطة التاكسيات المجاورة لمحطة القطار بمدينة اللعنة، نزل الجميع، حمل حقيبته وتوجه نحو أول مقهى يعرفها في طريقه، لم يكن يدري إلى أين سوف يذهب، وكيف سوف يقضي الليل في المدينة الملعونة؟

نظر للأنثى نظرة قائمة الزاوية في جسدها، غير أنه صدم في ملامحها المخربة، لأنه عندما كان ينظر إلى رأسها من مقعده الخلفي في التاكسي بدا له أنها تتمتع بشعر جميل وطويل، وكان يحتمل أن تكون جميلة ولكنه لم يلامس نظرية الجمال هذا المرة بالمطلق.

 لقد كان العفريت ولمدة خمس سنوات يكتري شقة يرحب بالجميع فيها دون استثناء، وها هو اليوم يعود إلى صدر المدينة غريبا، وإن وجد الماضي فهو بئيس ولا يرغب في العودة إليه، لقد عاش الشقي لمدة تجاوزت العشر سنوات تائها، نام خلالها في الشوارع والمحطات والشواطئ… وقضى أكثر من خمس مئة يوما جائعا على أقل تقدير، عندما يقدر عليه الله المرض يقاومه بلا دواء وفي صمت، لم يحمل في يوم من الأيام هاتفه ليخبر أمه أو والده بأنه في حاجة لدعمهم لا المادي ولا المعنوي، ولو اقتضى الأمر أن يموت جوعا أو مرضا لاسيما في السنوات الأخيرة، ولكن كيف يعقل أن تطلب من أم عاطلة وأب عاطل عن العمل شيئا من النقود؟ لقد مر وقت طويل وهو يعيش في حضن الوطن، وطن لم يمنحه إلا المعاناة وحياة مثل نهاية العاهرة التي لا تجمع النقود التي يدخلها فرجها ولا تبني مستقبلا لها، وعندما تجف منابعها، إما تفقد عقلها وإما تبيع السجائر والمناديل وتشتم وتسب المارة.

 إذا كان المرء سيعيش حياته مشردا وسجينا حتى النهاية، ليحمل متاعه ويغادر وطنه، فالمشردين يوجدون في كل مكان والسجناء أيضا.

 كان لابد من أن يجلس في المقهى ليحتسي كالعادة قهوة سوداء بنصف طوبة سكر على الجوع ـ لعل سكتة قلبية مفاجئة تنهي معالم وجوده ـ، ليفكر جيدا في المبيت، وفي قليل من الراحة، لأن حذاء أخيه الصغير الذي استعاره منه للرحلة كان قد مزق لحمه على ما يبدو من الآلام الذي يشعر به في الرجل اليسرى.

 جلس في مقهى المحطة.. كانت الساعة تشير إلى التاسعة ليلا، لكن من يهتم بالساعة اللعينة، ومن يهتم بالحياة والوقت تبا لهم وتبا للحياة، لقد كان الوقت كالسيف، أما اليوم الوقت لم يعد له أي أهمية مثله مثل السيف، في وطن بئيس بسبب الأشخاص. بعد عشر دقائق من الراحة أخرج الدراهم التي يتوفر عليها، أعدها، فوجد بأن رصيده هو 76 سبعون درهما، إذن 60 درهم للفندق، وثمانية دراهم ثمن القهوة، وخمسة دراهم للعشاء وثلاثة دراهم للفطور، وثمن العودة يسهل فيه الله أو محاولة ناجحة في التسلل لداخل القطار السريع، كل شيء يهون.

 قام من مكانه وبحركات كلها فشل ويأس وإحباط… وضع على وجهه الشاحب ابتسامة كاشفة للمعاناة، وكيف يبدو فرحا والحزن يرافقه منذ ولادته، كل محاولة إخفاء ملامح التعاسة والفشل تباء بالفشل، أخرج ثمانية دراهم من جيبه بعد أن قام بعدها لمرات عديدة ومنحها للنادل وخرج مهرولا نحو الفندق.

 الشقي يمشي كثيرا على قدميه، ليس لأنه يحب المشي، بل لأنه لا يتوفر على ثمن للتنقل، لذلك في غالب الأحيان ما يقوم بقطع مسافات طويلة مشيا على الأقدام أو طلب المساعدة على جنبات الطرقات، الطرق هي الأخرى تعرفه.

 ذات مرة سألته أمه: كيفاش غادي تمشي للرباط وأنت معندك حتى ريال؟ انتظر حتى لنهار الخميس ونسلف ليك شوية ديال الفلوس، عاد سير؟

 أجاب قائلا: الواليدة اعتني براسك نشوفك عما قريب، قبل رأسها… واختفي في جسد الطريق كالغبار.

وصل إلى الفندق، مجرد اسم، وليست المرة الأولى التي ينام هناك، بل الثلاثة أو الرابعة، إنه فندق من أسوأ الفنادق في المدينة الملعونة، ولكن ماذا عساه أن يفعل، غير أن يسلم نفسه للأقدار الوضعية. تسلم المفاتيح من المسؤول، بعدما أن سطر بعض المعلومات من البطاقة الوطنية للتعريف، التي تثبت بما لا يداعي مجالا للشك بأنه ينتمي للمغرب، وانصرف نحو الغرفة 23، فتح الغرفة ودخل، لا فرق بين المبيت في العراء والمبيت في ذلك الفندق، وإن كان المبيت في العراء أمام مسجد مزين بالرخام والجبس أو أمام البنك… خير من المبيت في الفندق، فأغطية الفندق ملطخة ببقايا المجون والعهر، والحجرة ممتلئة بأعقاب السجائر…

وضع أمتعته التعيسة وانصرف نحو المرحاض للتبول على الجدران وغسل أرجله، وفي عودته للغرفة لمح المرأة التي تقوم بتنظيف الفندق تنظيفا سطحيا وزائفا. قال لها: مساء الخير أ لالة، ردت قائلة: مساء النور، فقال لها الشقي: هل من عشاء، ابتسمت قائلة موجود مرحبا بك، قال لها: شكرا لك، وأكمل ما تبقى من خطوات.

 يقال أن الناس كرماء في العديد من مناطق البلاد، هم كذلك في بعض المناطق، ولكنهم في مناطق أخرى كرماء لكنهم ينتظرون منك مقابلا ما ولو أكذوبة.

 لا أحد يعرف المجتمع لا أحد يعرف الحياة أكثر من المشردين التائهين في فصل الشتاء. لقد نام الشقي ذات مرة في ديسمبر من عام 2007 هو وصديق له أمام باب قيسارية بالرباط لمدة يومين متتالين، وفي مدينة تيفلت أكثر من عشر مرات، ومن ذلك الوقت وهو لا يهتم بمن يقول له أن الجو بارد. لقد تاه الشقي عمدا عن منزل أبيه ذات مرة أيضا، وقضى أسبوعا بكامله متجولا في إحدى البوادي ضواحي شفشاون، وكان عندما تتسحب السماء باللون الأسود، يقصد إحدى المنازل، ويحضر أكذوبة بجميع توابلها لقضاء ليلة أمنة وغير مدفوعة، ذات يوم طرق باب المنزل خرج عنده شاب، فقال له بأنه يريد الضيافة، إن كان ممكنا، نظر إليها الشاب وسأله من أين أنت؟ أجابه مع ابتسامة مرصعة بالكذب وفسيفساء التلاعب: من الحسيمة غير أنني أستاذ في مدينة تيفلت، وجئت لزيارة هذه المدينة الرائعة، ولم يتبقى لي كثيرا من الوقت للسفر، كما أنني لم أجد النقل للعودة للمدينة للبحث عن فندق ما، خصوصا وأنني أريد زيارة بعض المناطق الأخرى، هذا كل ما في الأمر، قال له الشاب: انتظر، سوف أعود، أجرى المشاورات، وعاد عند الشقي، وقال له: تفضل أيها الأستاذ. قال التائه: شكرا لك. تتطلب منك الحياة أن تتلاعب بالمصطلحات للبقاء، وإن لم تستطيع نام في مكانك، فدفء الرصيف أو التراب لم يجربه الكثير من الحقوقيين والأغنياء على قيد الحياة.

 في حدود الحادية عشر ليلا كان الشقي يقرأ في حاسوبه، وكانت خطوات الوافدين على الفندق مازالت تعزف على آلة الإسمنت عزفا متناسقا، فبدون شك أنها خطوات أنثى، لأن خطوات الذكر على آلة الإسمنت تكون صاخبة وغير متناسقة. اقترب منه الشيطان ووسوس له وسوسة مدروسة، مفادها أنه مادام جالسا وحيدا فلماذا لا يذهب لطرق باب المرأة التي تقوم بالتنظيف، ويخبرها بأنه يريد غطاء إضافي لأنه يشعر بالبرد أو يطلب منها دواء من أجل الصداع المفترض في رأسه… وعندما تقبل طلبه يتلاعب بألفاظه ليوقع بها.

 قام من مكانه وخرج مهرولا نحو غرفة المرأة، وكأنه قال للشيطان سمعا وطاعة، نظرا إلى غرفتها وجد الضوء لا يزال مضيئا، طرق الباب مرتين، فقالت: من؟ أجابها العفريت: قريب. فتحت الباب، يبدو أنها غيرت ملابسها، سألته: ماذا تريد؟ أجابها الشقي: أشعر بالصداع فراسي بسبب السفر، وأريد شي دوليبران أو كلارضون، سولت بزاف ديال الناس قالوا معندهمش… أجابت: ربما عندي، انتظر نشوف ليك. تسلل برأسه ورائها وقال لها: لديك غرفة جميلة، ودافئة… هل تقطنين لوحدك؟ المرأة مشككة في السؤال: علاش كتسول، التائه: لا شيء مجرد تساؤل، قالت: نعم أقطن هنا لوحدي، قال لها: هل أنت متزوجة؟، ردت قائلة: كنت متزوجة. ما أجمل المرأة المطلقة في سن ما بعد الثلاثين بدون أطفال، بدون جروح خارجية من زوجها السابق، ما أجمل أن تنتهي العلاقة الشرعية بين الزوجين وتتحول إلى علاقة حب غير شرعية من منظور الدين والقانون، ومن منظور الدولة والباعة المتجولين للدين، أليس العقد وجد للسفهاء، هل نحن سفهاء؟ لا، لقد كانت بنت الجيران أخت مريم غير سفيهة، وقد سلكت المشوار، فعندما كانت متزوجة من شاب ويقطنون مع أمها، كان الضجيج دائما بينهم والصراع ليلا نهارا، ولكن عندما طلقها، نسجوا علاقة رائعة، فبدأ يأتي عندها في ساعة واحدة قبل منتصف الليل، ينادها من الزنقة، تنزل في السلاليم بسرعة، تركب معه وينصرفوا نحو لا يعلم الشقي الذي يحب الجلوس في المطبخ الذي يطل على الشارع. ما أتعس رجل الدين الذي يقضي ربع حياته في إسداء النصائح، وفي الأخير يتم ضبطه متلبسا بممارسة الجنس داخل مكان مقدس أو في مكان عام من طرف السلطة العامة، وبحضور جمهور غفير من الفضوليين، إن ورطة ممارسة الجنس، ليست كأي ورطة أخرى خصوصا إذا كان المرء رجل دين.

 أخيرا، أخرجت المرأة حبة الدواء، قائلة: الإنسان هو الذي يخدم بشرفه خير له من الفساد، بكلامها هذا قطعت للشقي الشك الذي يلعب في عقله رياضة القفز فوق الأعصاب، لقد اسدل الستار إلى أجل مسمى، قال لها: شكرا، ورحل مسرعا عندما تذكر بأنه ترك الباب مفتوح. جلس فوق السرير، لقد خسر الشيطان في المباراة، حتى الشياطين بدأوا يفشلون في خططهم، فما بالك بالحكومة المسكينة المسالمة التي تنام مع الثانية صباحا. أدخل كلمة المرور للحاسوب، وشغل أغنية Céline Dion المعنونة بـ ـ je Crois  toi.

 التي تقول فيها:

– Je crains la nuit quand tu n’es pas la…Ce tout petit au-delà ; – Je crains le silence après les voix ce froid si froid ; – Je crains les rues, le jour et les gens el la solitude autant je prie qu’on ne me remarque pas moi je crois toi, toi je te crois….etc.

دخل في الفراش مستمتعا بالمقطوعات الغنائية الرائعة، غير أن ما يتوفر عليه النوم من سلطان وإرادة ووسائل القهر مثله مثل الدولة تماما، جعله يستسلم للنوم إلى أجل مسمى أو غير مسمى، الأهم هو أنك على قيد الحياة إن استيقظت لتنال قسطا كافيا من العذاب، أما الموت فهو قادم بلا ريب، ومادام المرء على وجه البسيطة ليفعل ما يحلو له، وما يراه صائبا، بغض النظر عن القانون وباقي القيود وعن كلام السفهاء.

 في الصباح الباكر عاد إلى الحياة، قضيب منتصب، وبرد شديد يتربص بجسده النحيل، عصفور مزعج بالنافذة، خطوات صاخبة مسرعة نحو المرحاض، الشقي لا يحلم أثناء نومه أو يثرثر، فقط قضيبه يفيض أحيانا محدثا له غضبا شديدا، لأن فيضان القضيب يحدثا ضررا يعتبر بمثابة دافع للغسل وغسيل الملابس إجباريا، فمن يتوفر على سروال واحد، يجب أن يحرص على الحد الأدنى لنظافته، وأن يغسله في يوم مشمس.

 بعد أن جمع أغراضه انسحب بضجيج، تلقى في السلاليم هر تائه، شتمه ووعده بأنه لو التقاه مرة أخرى سينال منه، وتابع السير إلى أن وصل لإدارة الفندق لم يجد أحد، بحث في أرجاء الفندق، فخرجت من الحائط امرأة مشعككة الشعر وبسروال مرقط، تشبه عائشة قنديشة بسم الله الرحمن الرحيم، نظر إليها، منحها المفتاح وانصرف، وهو يقول يا إلهي ما هذه الأشكال الهندسية المخروطة وشبه المنحرفة التي تعمل في هذا الفندق اللعين.

عند محاولته لعبور الطريق كادت سيارة حمراء تدعى “تاكسي صغيرة” أن تدهسه، لعن سائق السيارة المتهور وتمنى له حادث سير يليق بمستواه الفاشل في القيادة، خصوصا وأنه يعتبر مصائب الحوادث والاكتظاظ في المغرب مصدرها سائقي التاكسيات، وهم في غالب الأحيان غير محبوبين داخل المدينة.

إن الرحلة التي قادت الشقي من المدينة الإدارية إلى المدينة العلمية مرة أخرى بالأمس لم تكن مجرد سياحة أو حبا في المدينة، بل إنها الدراسة تريد الزواج به من جديد بعدما أن طلقته لمدة سنة، وهو يقبل بكافة الشروط للعودة إلى أحضانها. وصل إلى الكلية، ذهب إلى النادي الجامعي، أخذ كأسا من القهوة السوداء وشبكة باللغة الفرنسية، لا يهم الطعام، فلقد اعتاد الشقي أن يأكل مرة واحدة، ففيها الكفاية في ظل الفراغ الأكبر الذي يعانيه في جيوبه.

 كان الملف الذي يحمله جاهزا بالأوراق المطلوبة للانضمام إلى بيت الدراسة من جديد، شرب القهوة، وملأ الشبكة ومزقها، وانصرف لوضع الملف لدى الإدارة. خرج من الكلية مبتسما ابتسامة اختلط فيها العياء بالجوع، الألم بالفرحة، الفقر بالتفاؤل، التيه بالأمل، عاد إلى النادي الجامعي أخرج من محفظته قاموسا للغة الإسبانية وقلما أسودا وورق بيضاء، وبدأ يقرأ وأية قراءة والبطن فراغ، بحث بعيونه عن وجه يعرفه، فوجد العديد من الوجوه، لكنها كلها صديقة للفقراء بدورها، فلا داعي حتى لمحاولة طرح السؤال.

 إنها الواحدة بعد الزوال والتائه لا يزال يجلس ملتصقا للحائط قرب الباب الأخضر الذي يوحي بدوره بأنه زهق من التصاقه بالحائط ويحاول الانفصال، فالصدأ هاجمه من كل الفجوات حتى أصبح حديدا مهترأ في زمن اللصوص. أخرج هاتفه الذي اشتراه من صديق له قبل سنة بسبعون درهما، والتي لم يدفع منها إلى خمسون درهما، بعث برسالة لصديقه “أحمد”، وبعد ثواني معدودة عاود الإتصال به، بعد التحية طرح عليه أسئلة من أجل استفساره عن وضعه فقال الشقي لصديقه أنه محاصر في مدينة اللعنة وليس لديه أي درهم يفكر به في القيام من مكانه، قال له صديقه: بعد نصف سأرسل لك مئتين درهما في البريد بنك، فشكره التائه كثيرا، وانصرف نحو البنك، وهو ما يزال في طريقه إذا برمز الحولة يصله في رسالة هاتفية. أخذها، أكل شيئا من الطعام على عجل في إحدى المحلات وانطلق نحو محطة القطار للعودة إلى المدينة الإدارية عند أخته. وصل في حوالي الثامنة ليلا مريضا متعبا، استحم وأكل ثم نام، غير أنه بدأ يشعر ويحس بأن المرض يخطو منه رويدا رويدا، حتى عانقه، فقضى أسبوعا طريح الفراش يستمتع بألم شديد محشو بالدوخة والتقيؤ والحمى بشتى أنواعها، اشترت له أخته الدواء، والعديد من الوصفات والوجبات والمشروبات المتعارف عليها في علاج حالته، فعاد للوقوف على قدميه من جديد تائها لا يهزم بسهولة في زمن التيه، ليبدأ بالتفكير في الرحيل من جديد.