الرئيسية - الواجهة - النحو العربي و”سوسان” و”الزمخشري”

النحو العربي و”سوسان” و”الزمخشري”

 

 ما زالَ النَّحْوُ العربيُّ مَحلَّ اهتمامٍ كثيرين، سواء من أبناء العربية أو سواهم من المهتمين بعلوم اللغة العربية، وهو شرفٌ وفخْرٌ عند البعض، وغُصَّةٌ وقهرٌ عند البعض الآخر، ولا يكون الكلام البليغ، والبيان الساحر، إلا بمراعاة أصول النحو، والأخذ بدروسه، والإلمام بقواعده وإعرابه… والذين يرومون الرِّفعة والسمو، وحتى التميز في كلامهم وكتاباتهم، لا يألون جُهداً في الاطلاع على الدراسات النحوية واللغوية عند النحاة القدامى ، ومعرفة (إنباه الرواة على أنباه النحاة)، ومن هؤلاء النحاة النابهين “أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الزمخشري جار الله”، صاحب التفسير المشهور (الكشاف)، وكذلك مصنف (أساس البلاغة).

وأول كتابٍ عند أبناء العربية يستقون منه صحيحَ النحو، وبيان اللغة العربية، هو القرآن الكريم، ثم الحديث النبوي الشريف، ثم الشعر الجاهلي، ثم لا يعلو كلامٌ على كلام الله؛ لأنه كلامٌ معجزٌ، وهو بشهادة أحد أعداء الدعوة الإسلامية في زمن البعثة النبوية “الوليد بن المغيرة” حيث قال: «وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِنْ هَذَا، وَوَاللَّهِ، إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ حَلاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً، وإنه لمُثْمرٌ أعْلاه مُغْدِقٌ أسْفلُه، وإنه ليَعلو ولا يُعلى، وإنه ليُحَطِّمُ ما تَحْته…». لذا، قد اختارَ الأستاذ/ الشاعرُ “رشيد سوسان” أنْ يتناول (قضايا نحوية في تفسير الزمخشري «الكشاف»)… وأخرجها لنا في كتابٍ بهذا العنوان، الذي بين قوسيْنِ، صدر عام 2016، وقد قدَّم له الأستاذُ الشاعر “محمد علي الرباوي”، الذي نبَّهَنا إلى مسألة ربما تغيبُ عن كثيرين، وهي «أنَّ الكشاف في عُمْقه يستندُ صاحبُه في تفسيره على النَّحْو، وليس على البلاغة كما هو شائع»، لذا، فهو يرى أنَّ “رشيد سوسان” لم ينحرفْ عن الطريق حين درَسَ (الكشاف) من جهةِ النَّحْوِ، وليس من جهة البلاغة، فالمشْهورُ أنَّ تفسيرَ (الكشاف) «يُصنَّف في المكتبة العربية ضمن كتب البلاغة، لأنه يتخذ من البلاغة منهجاً لتفسير القرآن، ودراسته» (1).

وإذا كان َ «النحوُ هو الضابط الدقيق والمُنظم الصحيح للعلاقات المعنوية بين الوحدات اللغوية في الجُمْلةِ الواحدة، وبين عدَّة الجُمل في النص، للوصول إلى المحصل الدَّلالي النهائي» (2)، فإنَّ كتابَ اللهِ هو أَعْلى كتابٍ إلى درجة الإعجاز في نَظْم وضبْطِ هذه العلاقات، واعتمادِ النُّحاة على وحداته اللغوية لإنشاء علْمِ النَّحْوِ.

وإنَّ مثلَ هذا الاختيار يتطلبُ جُهْداً كبيراً من صاحبِه، لأنَّ موضوعَ البحث، ونوْعَ التفسير، وقيمةَ “الزمخشري”، في الدراسات القرآنية، لا يختارُه إلا من كان ذا هِمَّةٍ عاليةٍ، وصبْرٍ شديدٍ، وتوَخِّي شرَفِ العِلْمِ، ذلك أنَّ “الزمخشري” «لمْ يكنْ مُبَرَّزاً في علْمٍ واحدٍ، بل برزَ في عدَّةِ فنونٍ؛ فقد كان نحْوِيّاً فاضلاً، وسمِعَ الحديثَ، وتفقَّهَ، وصارَ إمامَ عصْرِهِ في عدَّةِ علومٍ… فقد ألَّفَ في النحو واللغة والأمثال وغريب الحديث والتفسير والعروض والفقه ونحو ذلك وله ديوان شعر» (3).

هنيئاً للأستاذ/ الشاعر “رشيد سوسان” هذا الإصدار، وشكراً له على النسخة الهديَّةِ التي أرسلها إليَّ، وكذلك على نُسخِه الهدايا الأخرى: ديوان (إيقاعات نشيد العشق)، (من قضايا المصطلح النقدي لدى الدكتور محمد مفتاح)، و(آليات وضع المصطلحات وتوليدها لدى الدكتور محمد مفتاح)…

 (1) الشاعر محمد علي الرباوي.

(2) الدكتور إبراهيم إبراهيم بركات.

(3) الدكتور فاضل صالح السامرائي.