تسلم يا غالي

 وقع بصري على (فيديو) قديم، لحفلةٍ موسيقيَّةٍ، أحياها موسيقارُ القرن العشرين “محمد عبد الوهاب”، عام 1954، غنَّى فيها أغنية (تسلم يا غالي)، وهذا الغالي هو الرئيس المصري الراحل “جمال عبد الناصر”. مُقدِّمُ الحفلةِ قال قبل أنْ يُغنيَ “عبد الوهاب” إنَّ الحفلةَ يُقيمُها (نادي الفرسان) ابْتِهاجاً بمناسبة توقيع الرئيس إحدى الاتفاقيات.وقد دأبَ الرئيسُ على حضور مثل هذه الحفلات، والاستماع إلى المطربين الكبار، أمثال “محمد عبد الوهاب” و”عبد الحليم حافظ” و”فريد الأطرش” و”أم كلثوم” وغيرهم.

ونحن نستمعُ إلى أغنية (تسلم يا غالي)، نلتقطُ كلماتٍ تقول: قضِّيت شبابك سهران في حيرة وفتحْت بابك لأيام عسيرة… وبالعودة إلى تاريخ حياة “عبد الناصر”، وتاريخ المرحلة التي قضاها ضابطاً ثائراً، وقائداً حاكماً، ورئيس جمهورية قلقاً، نسلِّمُ فعْلاً بأنَّ الزعيمَ قضى شبابَه في حيرةٍ، ونزعت نفسُهُ إلى معالي الأمور، ونظر في أحوال بلده، وأحوال إخوانه المواطنين المصريين، فحرَّكته دوافعٌ قوية إلى الثورة على الأوضاع القائمة في زمن الباشاوات والبكوات والهوانم، وإلى السعي نحو تغيير الأحوال غير الأحوال، ونجح في ذلك مع ثُلَّةٍ من رفاقه الضباط الأحرار.

وفتح بذلك باباً، أو أبواباً، لأيام عسيرةٍ، يحْكيها من كانوا في صفّه، ومن كانوا ضدَّه، ويحكيها الأدبُ والصحافةُ والسينما… ووَصْفُه بالرئيس (المُفْترَى عليه والمُفْترِي علينا)، من طرف الكاتب المصري الراحل “أنيس منصور”، يليقُ به تماماً. وهو على الرغم من ذلك، فقد كانت له أيادي فُضلى على الحياة الأدبية والفنية في عصره، وعرفت الحياة الاقتصادية والزراعية والصناعية انتعاشاً في عهده، وعاشَ حياته كما عاشها أبناء الطبقات المتوسطة والفقيرة، والمؤرخون يذكرون أنه حين مات لم يخلف وراءه مالاً كثيراً، ولا أملاكا وعقارات، ولا ثروة لزوجته وبناته.

وأجملُ ما كان في الرجل أنه كان قارئاً مُتابعاً لما يَصْدرُ عن الأدباء والصحفيين والمفكرين. وفي مرحلة تعلَّمِهِ الشبابية اطَّلع على كثير من المؤلفات، ولوْ أنَّ طبيعةَ تلك المؤلفات غلب عليها ما هو سياسي وعسكري، وهي توافق طبيعته العسكرية، ونزوعه نحو القيادة.

فمن أول ما لاحظَ الدارسون لشخصية “جمال عبد الناصر” أنَّ قائمةَ الكتب التي كان يستعيرُها، وهو طالب في الكلية الحربية، «أنها تتناولُ السِّيَرَ الشخصيةَ التي تُعْلي من صفات البطولة الفردية، لنُخبةٍ من الزعماء والقادة السياسيين والعسكريين المتميزين، القدامى والمعاصرين، الذين تميَّزوا بقوة الإرادة والحضور الشخصي و”الكاريزما” الطاغية…» (جريدة أخبار الأدب العدد 1277 ـ يناير 2018).

أحبَّ أدباء ومفكرين، فجنَّبهم آلته العسكرية.. وغضب على آخرين، فزجَّ بهم في السجون والمعتقلات… وحَدَبَ على بعضٍ، وعذَّبَ بعضاً آخرَ… وأكْرَمَ شخصياتٍ، وأعْدَمَ شخصياتٍ أخرى… لكن، يبقى أنَّ الرجلَ تركَ بصماتٍ واضحةً في الحياة المصرية، والحياة العربية، والدولية، في زمنه، وأن الأجيالَ المتعاقبةَ ما تزالُ تذكر انتصاراته وانكساراته، وتستحضر ثوْرَته عام (1952)، وتتحسَّر على نَكْستِه سنة (1967)، ولا يغيب عنها في يناير ويونيو ويوليو من كل حَوْلٍ… والرجل الذي يأتي إلى الحُكْم عن طريق دبَّابة، ويجلسُ مع أركان الحرب ليستمع إلى فقرة غنائية، لاشكَّ أنه شخصية عاشت عصرها بقوةٍ وثراءٍ، وأنه مزجَ في أعماقه بين صوت المعارك وصوت الفنِّ، وترك خالداتٍ من نفسه.. ومن نفوس آخرين. والسرُّ أنه كما غنَّى “عبد الوهاب”: قضّيتْ شبابك سهران في حيرة وفتحت بابك لأيام عسيرة…