الرئيسية - المقالات - شباب مرنيسة ورحلة البحث عن الخبز “المر”

شباب مرنيسة ورحلة البحث عن الخبز “المر”

ككل سنة بعد التساقطات المطرية الأخيرة في المغرب تستعد بعص المدن والأقاليم الشمالية حاليا للبدء في زراعة نبتة”الكيف”. وكما هو معتاد فقد تتدفق على هذه الأقاليم أمواج بشرية من كل أنحاء المغرب بعد أن أنهكتها البطالة ومزقت جيوبها لسنة كاملة في إنتظار حلول هذا الموسم الذي ينتظرونه بفارغ الصبر لعله يخفف نسبيا من معاناتهم ويرفع عنهم ولو قليلا الأزمة المالية التي ضربت عليهم في ظل غياب فرص الشغل بالمنطقة وتتسلح هذه الأمواج البشرية، في تحقيق حلمها في العمل في هذه الحقول، بالأغطية والزاد فقط، تفاديا لمبيتهم في العراء في الغابة والأدغال، كما تضطر إلى العمل بأجر زهيد، في محاولة لنسيان، ولو لأشهر موقتة، قساوة الفراغ والانتظار والفاقة، وقد يراها هؤلاء العمال فرصة مناسبة يجب استغلالها لتحسين مستوى عيشهم.
من بيوت مرنيسة انسلوا وعلى مختلف الطرق والمسالك الجبلية الوعرة صاروا ولأجواء ممطرة وباردة تحملوا وبين حقول تيزي وطاينينت وبني احمد وتافركة… توزعوا وفي ظروف قاهرة وقاسية إشتغلوا.
شباب تتراوح أعمارهم بين 16 و45 سنة، وأطفال قاصرين لم يبلغوا السن القانوني للعمل وآخرون على أبواب سن الشيخوخة يبدون في حالة استعجال من أمرهم وهم يستحثون السير للوصول إلى أماكن العمل، قطعوا مسافات طويلة بكثير من الجهد والإصرار بعد أن بلغوا الجهة المقصودة، ومنهم من واصل السير بحثا عن أجر “سمين” في إيكاون وإساكن وكتامة وباب برد، للشروع في البحث عن فرص العمل، حيث يتخذون وهم فرادى أو جماعات صغيرة، أماكن أمامية لانتظار المُشغل الذي قد يأتي أو لا يأتي. ملامحهم تنطق تعبا وعوزا، وبحوزتهم أمتعة هزيلة ومواد غذائية شحيحة.
وبما أن مرارة البحث عن الخبز لا تفارق لسان الساعين إليه، فإن رحلة هؤلاء العمال الموسميين تمر عبر صعوبات ومشاق، تبدأ من “الموقف”، وهو المكان الذي يقصده الباحثون عن اليد العاملة، ولا تنتهي إلا بمغادرة هذه الحقول.
هؤلاء العمال الموسميون المعرفون بعمال “الكانشو”، نسبة إلى الأداة الفلاحية المستعملة في زراعة القنب الهندي بالمنطقة، اختاروا تحت إكراهات البطالة والفقر أن ينزاحوا في اتجاه هذه المناطق، بحثا عن عمل موسمي شاق، متحملين أتعاب الرحلة ومخاطر الطريق وقساوة الجوع وملل الانتظار ،ومنهم من لا تكلل محاولته في البحث عن عمل بالنجاح إما بسبب العياء الذي يصيبه أو بعدم القدرة على إستئناس الوضع، أو بسبب المطر، فيعود من حيث أتى سيرا على الأقدام، مقسما على أن لا تطأ أقدامه ذلك المكان مجددا، لكن الظروف وقلة الحيلة تفرض عليه الرجوع.
وفي  “الموقف” يقف المئات من العمال من مختلف الأعمار والمدن والقرى، في انتظار قدوم من سيساوم قوة سواعدهم في حقول القنب الهندي لساعات طوال ينشغل بعضهم بالحديث عن مغامراته في المنطقة قبل سنين، ومنهم من يدخن لفافات الحشيش المحلي “جوانات” أو “شقوفا” أو “السبسي”، ومنهم من ينفح “الطابة”.
ليس فقط البحث عن لقمة العيش في أعال الجبال هي التي تجمعهم، بل كل صغيرة كبيرة يتقاسمونها، إذ يستيقظون على صياح الديك يرتعشون من شدة البرد، وبعد تناول وجبة الفطور يحملون الفؤوس وينطلقون أفواجا في اتجاه الحقول، بمجرد أن تطأ أقدامهم حقل المشغل ينحنون رؤوسهم إلى الأرض ويشرعون في حفر التراب و”قلبه”، بعدما قاموا بتنقية الأرض من الحجارة والحشائش دون توقف حتى يعلن عن حضور وجبة الغداء من طرف صاحب الحقل أو أحد أهل بيته، يتصبب العرق عن جبابهم في أعز أيام البرد ولا يستطعون التوقف لمسح العرق خشية أن يغضب هذا التوقف صاحب الحقل، أو يكون مصيرهم الطرد ولا يعودون إلا عندما خيوط الشمس تلامس الأرض وتودع نورها وجه السماء…