الرئيسية - عمود القلم الأسود - سريالية معرض الكتاب

سريالية معرض الكتاب

تجنبتُ مرارا زيارة المعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء، أولا لأنه دولي وبما أنني لازلت أصارع للحصول على بطاقة قروية لن أغامر بإلقاء سمكة بُورية في المحيط. وثانيا بسبب تخمة الصور التي كنت أصادفها خلال تنقلي بين دروب الفايسبوك. كدتُ أجزم بسبب ذلك، والعياذُ بالله، أنه نسخة معدلة من معرض الفلاحة بمكناس، مجموعة من البشر وجدوا في مكان لا تربطهم به إلا عدسات الكاميرا. وشاءت الظروف أن يتسبب الزّبلبولي في إقحاميّ داخل المعرض رغم أنف «الألق»، فكانت المناسبة حجة وزيارة، لعلني أجد المعنى.

يتواجد المعرض الدولي للكتاب، يا له من اسم جميل! بجانب مسجد الحسن الثاني المعلمة التي. ربما تكون صدفة أو بتخطيط سابق للترويج لسياحة البلاد. سرعان ما تكتشف الترابط المنطقي بين المسجد والمعرض، ما يجعل الأمر منطقيا للعلاقة بينهما هو تدافع الجمهور أمام شباك التذاكر، ذلك ما يجعل الزائر يتذكر آيات الحشر وبهذا يضرب عصفورا ميتا بحجرين. وهو الأمر الذي يحتم عليك أن تكون مستعدا كي تستنشق الروائح الزكية وتمارس حقك الطبيعي في التدافع.

ستظن للوهلة الأولى أن أوضاع البلاد الثقافية بخير عندما تشاهد عدد المتوافدين على المعرض. هذا الظن سيخيب كخيبة أحلام عاشق أمام عُرف الخطبة، عندما تكتشف أن تكسير الروتين اليومي يدفع المواطن البسيط إلى زيارة المعرض لمحاربة الملل والاحتكاك بإخوانه المغاربة عملا بالقول المقدس «تزاحموا تراحموا» وتقاسم البؤس. عشرة دراهم لتلج خيمة المعرض الضخمة، كأنه سيرك. وددتُ لو حصلتُ على شرف التعرف على الفيلسوف والمفكر الجهبذ الذي توهم أن في الكتب ووجوه الكتاب الذابلة باليوتوبيا ما يجعل الزائر يدفع لمشاهدتها؟ ربما يكون على حق وأكون أمارس هوايتي الهذيانية فقط. ما دمنا قد بتنا نتعايش مع مشاهدة الكتاب يتسلمون الإكراميات والأوسمة مع الراقصات وفناني الثلاث دقائق. ويخرجون لنا من قنوات الصرف الصحي كالجرذان، ويبحثون عن الشهرة من خلال منابر « عاجل وها علاش».

بعد الخروج من المشهد المسرب من الحشر، عليك اجتياز آلة عد الرؤوس التي دفعت العشرة دراهم، اعتقدت في الوهلة الأولى أنها كاشف معادن، لكن سرعان ما تبين لي أن الفوبيا من التجمعات أوهمتني بذلك، فكانت مجرد آلة للحصول على رقم نتفاخر به أثناء نشرات أخبار المساء على القنوات الليمونية. أخيرا ستجد نفسك أمام مدخل المعرض، بسمل وأدخل بيمينك وأعد شحن غريزة التدافع. تجلس عند مدخله فتاة حسناء تمنح الزوار خريطة المعرض وكتيبا للتعريف بأجنحته، تشعرُ ببهجة وطمأنينة عدم دفعك العشرة دراهم مجانا، وهذا الشعور الجميل لابد أن يتلاشى في أرض «كافكاوية» عندما يصطدم بسخرية المَشاهد داخل المعرض.
أول ما يستفز تفكيرك هو مجموعة مكعبات نازلة من سقف قصديري ضخم كالبُلعوم، يقال والله أعلم أنها تساعد في تحديد الوجهة. صدى مكبرات الصوت مثل سوق أسبوعي، أضواء عدسات الهاتف، جمل عبثية متطايرة باللغة العربية هنا وهناك. كلمة «سي فلان» تخرج من كل ركن كالسكاكين تذيب نغمات الموسيقى التي لملمتها طيلة عمرك. لم أكن لأتفاجأ لو وجدتُ بائعي البهارات والسمك والخضر، أهو سوق تقسيط الكتب ؟

السؤال يجيب عن نفسه بسرعة. قبل أن تتجه صوب المعرض عليك الحصول على قرض بنكي ضخم. من سخرية الأقدار وجود صف خاص بالطلبة عند شباك التذاكر مع عدم الأخذ بعين الاعتبار قدرتهم الشرائية المعدومة، أثمنة الكتب غير معقولة تصل في بعض الأحيان إلى حد الخيال، ويكاد الإستثناء يكون منعدما. لابد للعاقل أن يتساءل مرة أخرى أمام الجشع الثقافي، هل هذا الكتاب مخطوطة كنعانية عتيقة؟ أم مكتوب على أوراق «الكاغط الحرش»؟

مجموعة لوحات سريالية كوميدية تصادفك بين زقاقه، أربعة أشخاص في ركن يتناوبون على مكبر صوت كَتناوب الوزراء على الكعكة، يتمادحون، يساعدون بعضهم البعض في نفخ نرجسيتهم، يجلسون القرفصاء كأنهم يخاطبون أقدام المارة، لا أحد يهتم بهم كمجموعة صعاليك على قارعة الطريق يتناوبون على قنينة ماء حياة. أثارني المشهد، وقفت أستقي منهم بعض العلم النافع. جمعتُ معجما مهما من عبارات الشكر والامتنان. على مقربة منهم بائع كتب يضع على باب خيمته سلة طويلة، تضم مجموعة أكسسوارات ومقابض شعر، هو على الأقل فهم اللعبة ولم ينتظر عائد الكتب الباهظة التي كلف ببيعها.
غير بعيد منه توجد أرقى أنواع السعاية، أشخاص يدعون أنهم يجمعون النقود لقضية يتعاطف معها الجمهور، يدغدغون مشاعرهم، ويستبدلونهم بوشاحات القضية. هل المغرب يعاني من شح قضايا إنسانية كي يستوردها من الخارج ؟ أم أنه علينا تدريس نساء وأطفال الأطلس المتجمد الماركوتينغ السياسي؟
بجانبهم صندوق موصوم بجمل تزعزع الاحساس القومجي، منثورة داخله رزم نقود ومجموعة عملات نقدية. كنت عاريا أمام سؤال مؤرق مرة أخرى: لماذا لا يتم فتح الباب للمتشردين وماسحي الأحذية وبائعي المناديل الورقية والشحاذون ليَسترزقوا أيضا داخل المعرض؟ أم أن شكلهم القبيح لا يُدخل للجنة؟
امتلأت مثانتي البولية توازيا مع مخيلتي، هممتُ التوجه إلى المرحاض. كلما اقتربتُ أكثر إلا وتضاعفت رائحة الايمان المزيف كأنني متجه إلى «التعالوكس»؟
بجانب المراحيض يوجد بائعوا الكتب الدينية، يا سلام، العلم الشرعي بجانب دور المياه، ضربة «مْعَلِمْ» من الوزارة، من يقرأ تحفة العروس وعودة الشيخ إلى صباه…لابد أن تضع بجانبه مختبرا ليختبر علمه النافع. تمتزج رائحة الند وعطور الإيمان برائحة المراحيض لتدخل أنفك كرائحة ثلاجة الموتى.

من باب إكرام الضيف، دور النشر الأجنبية منحت لها أروقة ضخمة لدرجة أن بعضها أحضر كل كتبه من الجاحظ إلى الكتاب المعاصرين ليملأ الفراغ على الرفوف، في حين جمعت دور النشر المغربية في مجال ضيق، وفي خيمات تشبه مخيمات اللاجئين. الجملة التي يحفظها الكُتاب عن ظهر قلب «دار النشر هي من تحدد ثمن الكِتاب»، انسلاخ احترافي من المسؤولية لكُتاب أغلبهم يتقاضون أجورا من وزارة المالية.
لا داعي لأن نخوض في الندوات وحفلات التوقيع، لأنها مشاهد مضحكة حد الألم، شخص يتحدث مع الكراسي الفارغة، أو من يوقع لقراء وهميين.
لا تتفاجأ كثيرا، في معرض الكتاب ستجد كل شيء، الكتب، بائعو الجنة، المتربصون، المتحرشون، المتعنتون بالثقافة، الذابلة مؤخراتهم في الصالونات الأدبية، بائعي النرجسية، والكثير من الألق.
في الأخير لابد أن أأكد على أهمية زيارة معرض الكتاب لمعرفة الوضع الثقافي المغربي، بالرغم من أنك لن تستطيع إتمام قراءة عنوان كتاب دون أن يُوخزك عدد مهم من الزوار، وكذلك من أجل أن تقتنوا رواية مهمة لعبد ربه. وهذا مربط الحمار.